قال أبو الحسن الورَّاق: وكان أبو محمود هذا، واسع الحيلة عظيم المكر، شديد الدهاء، وكان يجد في ألاعيبه هذه لذة وتسلية لا يجدها في غيرها .. ومن ألاعيبه أنه استطاع أن ينتزع سعيد بن منصور من بيته ويضمه إلى فرقته!!
فقد نشأ سعيد في بيت علم وتقى، وأبو الشيخ رحمه الله، كان عالمًا فاضلًا، تفجر ينبوع الحكمة على لسانه .. إلا أنه لم يكن به ميل إلى التأليف.
في هذا البيت الكريم نشأ سعيد، وكان يُضرب به المثل في السلوك الحسن. وقبل سنتين أصيب بمرض ألزمه الفراش عددًا من الشهور، فأخذ حكيم هذا يتردد عليه، ويتودد إليه، وصار يقص عليه حكايات أهل الفسق والمجون، حتى توطَّدت العلاقة بينهما، وازداد تعلق سعيد بحكيم .. وعندما نفض عن ثوب المرض، صار لا يخرج إلا معه، ولا يجد الراحة إلا بمجالسته.
قال: وظني الذي أكاد أقطع به، أنه لا يستمر معه طويلًا وسيأتي اليوم الذي يحن فيه إلى منازله الأولى، وقد ترك له أبوه رحمه الله وصية، ولكنه لم يلق عليها نظرة إلى يومنا هذا.!
قال أبو العرفان: ولم يذهب يسار إلى بيت الجارية كما وعد، فقد استيقظ في اليوم التالي بعد أذان الفجر بمدة طويلة .. وسابق قرص الشمس في الصلاة، فاعتبر هذا دليل الهبوط في إيمانه، وجعله يعيد النظر في نفسه ..
أتكون الجارية قد خدعته؟!
ربما .. بل من المحتمل جدًا.
ولكنه سمعها تئن .. وتتأوه.
لقد رآها تتلوى من الألم ..
تتساقط الدموع على خديها.
وتمثلت له كأنها تنظر في عينيه وتقول: