الصفحة 16 من 23

كل نفس ما عملت) (النحل،111) :"والمجادلة: دفاع بالقوّة للتخلّص من تبعة فعل، والنفس الأول: بمعنى الذات والشخص، والنفس الثانية: ما به الشخص شخص، فالاختلاف بينهما بالاعتبار، ذلك أن العرب يستشعرون للإنسان جملة مركبة من جسد وروح، فيسمّنها النفس، أي: الذّات، وهي ما يعبر عنه المتكلم بضمير"أنا"، ويستشعرون للإنسان قوة باطنية بها إدراكه، ويسمونها نفسًا أيضًا. والمعنى: يأتي كل أحد يدافع عن ذاته، أي: يدافع بأقواله ليدفع أعماله" [1] . وعليه، فإنّ الآيات المتقدّمة وتفسير بعضها، يدلّ دلالة واضحة على أنّ مراد القرآن الكريم بكلمة"النفس"فيها هو: الإنسان ككل، وهو الدلالة الأصلية لمفهوم النفس.

الثانية: الدلالة الجزئية لكلمة النفس، حيث يُشير عدد من النصوص إلى دلالة كلمة النفس على بعض مكوناتها، وبخاصة المخفية كالروح، أو الباطنة كالضمير أو الصدر أو الرُّوع، كما في الآية الكريمة: (ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون) (الأنعام، 93) . قال البغوي: (أخرجوا أنفسكم) ، أي: أرواحكم [2] . وقال ابن عاشور في قوله تعالى:"أخرجوا أنفسكم": الأنفس: الأرواح، أي: أخرجوا أرواحكم من أجسادكم" [3] . ففي هذه الآية دلت كلمة النفس على الروح، وهي بعض النفس بمعناها الكلي المتقدم. وكذلك الآية الكريمة: (ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون) (التوبة، 85) . قال البغوي:"والمعنى: أن الله يريد أن تخرج أرواحهم حال كفرهم) [4] . والآية الكريمة: (واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه) (البقرة، 235) ، والآية الكريمة: (وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله) (البقرة، 284) ، وغيرها من الآيات التي تشير إلى دلالة النفس على باطن الإنسان أو ضميره أو صدّره.

فالنتيجة التي يُتوصل إليها من خلال النصوص الشرعية، أنّ مفهوم النفس من المنظور الإسلامي ووفقًا لمرجعياته الأصيلة واضحُ غاية الوضوح في دلالته الأصيلة على"مجموع الإنسان"و"ذاته كلّها"بعموم مكوناتها المادية والمعنوية، وأنها قد تدّل أحيانًا على بعض مكونات النفس المعنوية كالروح أو جانبها الباطني. وهذا يؤكد أن

(1) المرجع السابق، جـ 13، ص 243.

(2) معالم التنزيل، البغوي، جـ 3، ص 169.

(3) التحرير والتنوير، محمد الطاهر بن عاشور، جـ 7، ص 378.

(4) معالم التنزيل، البغوي، جـ 3، ص 267.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت