الصفحة 18 من 23

فالإنسان، مخلوق، ومخلوق لله تعالى، وهاتان جملتان محوريتان في مفهوم الإنسان؛ فالجملة الأولى هي الحدّ الحائل دون تأْليه الإِنْسان، وخلع أوصاف الربوبية الفرعونية عليه، والجملة الثانية هي الحدّ المانع من نسْبة هذا الإنسان إلى الطبيعة وأوثانها أو إلى الغيب المجهول والآلهة المخفية. من هنا جاء الاهتمام القرآني بهذه الحقيقة- كون الإنسان مخلوقا، ومخلوقا لله، في عشرات السور والآيات، بل تصدرت ابتداء نزول الوحي، وابتداء الرسالة المحمدية، كما في قوله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ} [العلق:1 - 2] ، وقال تعالى: {الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ *خَلَقَ الإنْسَانَ} [الرحمن:1 - 3] . والإنسان، خُلق إنْسانًا منذ خلقه الأول؛ كما في خلق آدم عليه السلام، وخَلْقُه إنسانًا جاء على مراحل سواء الإنسان الأول (آدم) ، أم الإنسان التالي (سائر البشر) ، بما ينفي نفيًا قاطعًا أي تخرّصات تحاول أن تجعل الصورة أو الحالة غير الإنسانية سابقة على ما عليه صورة الإنسان الواقعة والمشاهدة والمحسوسة والمعلومة. فمعطيات القرآن الكريم تؤكد أن الله خلق آدم (الإنسان الأول) ، خلقه إنسانًا كاملًا، ومنه تناسلت بقية الإنس، فالله تعالى قال: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا} [الحجر:28] ، ولم يقل قردًا أو غير ذلك.

ومراحل خلق الإنسان (الأول) والإنسان (التالي) ، تكشف عن معلومات مهمة في فهم حقيقة الإنسان، ضلّت حولها العقول البشرية والفلسفات الإنسانية إلى يومنا هذا، إذ تبين أن هناك مكونين أساسيين للإنسان تُحدِّدان طبيعته- التي تشكل عماد الاجتهادات التربوية حول تربية الإنسان- وهذان المكوّنان هما: الأول: البَدن أو الجسم، والثاني: الروح. سواء سبق حالة البدن التراب مباشرة كما في خلق آدم (الإنسان الأول) ، أم الماء المهين مباشرة والتراب غير مباشرة كما في خلق ذرية آدم (الإنسان التالي) . قال تعالى: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} [ص:71 - 72] ، وقال تعالى: ... {أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ} [المرسلات:20] . ولم يأت مفهوم الإنسان، وفقًا لمراحل خلقه ومكوناته الأصلية، مفهومًا آليا ميكانكيا، يساوي الجسد زائدًا الروح، بل هو مجموع هذين المكونين وتفاعلاتها وعلاقاتها معًا، ليخرج لنا الإنسان المخلوق لله تعالى العاقل المكرم المبتلى المستخلف الكادّ والمكابد والحارث والهمّام، كما شهدت بذلك عشرات المواضع في القرآن الكريم، وكما قال تعالى، بعد الحديث عن مراحل خلق الإنسان ومكوناته في سورة المؤمنون: ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت