الصفحة 19 من 23

اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ [المؤمنون:14] ، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله تبارك وتعالى خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، فجاء منهم الأحمر والأبيض والأسود، وبين ذلك، والسّهْل والحَزَن، والخبيث والطيب) [1] .

ورغم الفروق الفرْدية البيّنة بين الإنسان والإنسان، إلا أن مكونات ذاته، توصف بأنها"وحدة كلية لا تتجزأ، حصيلتها القوى التي زود الله بها طبيعة الإنسان، سواء تلك المادية التي تربطه بالأرض، أو تلك القوى الروحية التي تربطه بخالق هذا الكون، وتلك القوى العقلية التي تمكنه من أن يختار البدائل" [2] . وهذا التفاعل بين مكونات الذات الإنسانية أو قواها يكون وفقا لنظرة التربية الإسلامية تفاعلًا متزنًا ومتكاملًا [3] .ويترتب على"النظرة المتوازنة لمكونات الإنسان، الاهتمام بها في التربية والتعليم، والاهتمام بالجانب الفكري، والوجداني والجسمي على السواء، وتنظيم البرامج التعليمية بحيث تتكامل فيما بيْنها، وبحيث تؤدي في ذات الوقت-إلى إنسان متوازن، لا يطغى فيه جانب على الجوانب الأخرى، ولا يهمل جانب لحساب جانب آخر" [4] . وهذه هي أصول التربية القرآنية المعتدلة.

ومفهوم الإِنسان، وفقًا للحقائق القرآنية، تنفي عنه نظرة الفكر الغربي إليه على أنه مفْردة من مفردات"الطبيعة"، حيث تمّ تفريغه من المضامين القِيمية والصّلات الروحية، وتعاملت عديد من النظريات الغربية، التربوية منها والنفسية، مع طبيعة الإنسانية، كطبيعة العلوم الطبيعية، وبالمنهجية ذاتها الصرامة العلمية [5] ، بينما النظرة إليه في المعرفة التربوية القرآنية نظرة كائن حيّ مكرّم، ذي طاقة روحية وعلاقات إيجابية، وصلات قيمية بينه وبين الوجود من حوله.

وبذلك يكون اتجاه المعرفة التربوية التي تستمد معطياتها من القرآن الكريم حول الإنسان يقوم على تكريم الإنسان وتقديره وتواضعه باعتباره مخلوقًا مكرمًا للخالق الذي خلقه سبحانه وسوّاه وأتقن صنعته وأنعم عليه، فخلْق"الإنسان من طين"

(1) ... السنن، الترمذي، كتاب التفسير، باب ومن سورة البقرة، جـ 5، ص 204،ح رقم (2955،2956) .

(2) ... مكانة الإنسان في الحضارة المادية المعاصرة، داود الفاعوري، ص 194.

(3) ... أصول نظرية تربوية إسلامية معاصرة، مهنى محمد، جـ 2، ص 358.

(4) ... التربية الدينية الإسلامية بيْن الأصالة والمعاصرة، فتحي يونس، ص 65.

(5) ... منهجية التعامل مع الفكر التربوي الغربي المعاصر، أحمد عبد الحليم، ص 83 - 84.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت