مختلف فيه، ويشمل: الاستحسان، والمصلحة المرسلة، والاستصحاب، والعرف، ومذهب الصحابي، وشرع من قبلنا [1] . وموقف الأصوليين هذا وتصنيفهم للمصادر الشرعية، يؤكّد خاصّية الثبات والمرونة معًا التي تتصف بها طبيعة هذا الإسلام حتى في الجانب المتعلق بالمصادر والمنطلقات، وهي خاصّية تنتقل بكل تأكيد إلى كل جوانب الإسلام وإلى ما ينسب إليه من قضايا وأفكار، ومن ذلك التربية الإسلامية، والمعرفة التربوية الإسلامية، من حيث المصدرية والخصائص والأنشطة والأفكار وغير ذلك. فلا بد أن يتنبّه التربويون المسلمون إلى طبيعة المصادر الشرعية وخصائصها لما لذلك من انعكاس واضح في عمليات تأصيلهم واستنباطهم التربوي الإسلامي، وفي عمليات تنظيرهم وتطبيقاتهم التربوية الإسلامية.
ويقف القرآن الكريم في مقدمة المصادر الإسلامية التي يتم من خلالها بناء المعرفة التربوية بكل أنواعها ومجالاتها وامتداداتها، ومن هنا تظهر أهمية المصدرية القرآنية في بناء المعرفة التربوية. كما تتضح الحاجة إلى هذه المصدرية من كون عملية الاهتمام بالبحث التربوي الإسلامي من جهة التنظير والبناء المعرفي العلمي المتخصص تعد حديثة إذا ما قورنت بباقي العلوم الشرعية كعلم أصول الدين وعلم الفقه وأصوله. وتتضح الحاجة كذلك من كون المسيطر على ما يمكن أن يسمى"الشارع التربوي والتعليمي"في العالم هي تلك المنهجيات التربوية ذات المصادر المعرفية المادية الغربية أو التغريبية الحاملة لها، لتي تتخذ من النص القرآني موقفا سلبيا ينزع تارة نزعة علمانية وأخرى حداثية"وضعية"النظرة للنص القرآني، وأخرى إلحادية نافية بالكلية لمقام النص القرآني. ومن هنا إذا ما أردنا أن نقدم بناء معرفيا تربويا سليما يمثل خصوصية الأمة المسلمة ويبني حضارة علمية وتقدما مجتمعيا ايجابيا فلا بد لنا من إعلاء الاهتمام بالقرآن الكريم باعتباره المصدرية الرئيسة والأولى لتربيتنا الإسلامية وتفعيل ذلك في عملية البحث التربوي النظري والميداني. وإذا كانت الحاجة قصوى أصلا لبناء المعرفة التربوية المنطلقة من مصادر الإسلام المعتبرة، فإن الحاجة أعظم لِتَمثّل استمداد تلك المعرفة من القرآن الكريم. ولعل من السبل الواجب سلوكها لتحقيق شيء من ذلك هو بذل مزيد من الجهود من قبل علماء التفسير والتربويين لقراءة نصوص القرآن الكريم قراءة تربوية تحليلية مرتبطة بالواقع المعاصر كما هي منطلقة من ملاحظة عملية تنزل القرآن خلال ثلاثة وعشرين عاما
(1) علم أصول الفقه، عبد الوهاب خلاف، ص 3 - 6.