(ص) (قال في الفقه الأبسط: اعلم أن الفقه في الدين أفضل من الفقه في الأحكام، والفقه معرفة النفس ما لها وما عليها، وما يتعلق منها بالإعتقاديات هو الفقه الأكبر، ولأن يتفقّه، الرجل كيف يعبد ربه، خير له من أن يجمع العلم الكثير وقال في كتاب آخر: العالم والعمل تبع للعلم، كما أن الأعضاء تبعٌ للبصر؛ فالعلم مع العمل اليسير أنفع من العمل الكثير ولذلك قال الله تعلى: {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الزمر: 9]
(ش) قوله: (قال في الفقه الأبسط) مشيرًا إلى تعريفه واسمه، ومنبهًا على استجاب فهمه: (اعلم أن الفقه) هو التوسل إلى علم غائب بعلم شاهد لغةً، كما في المفردات (في) أصول (الدين) ، وهو الوضع الإلهي السائق لذوي العقول باختيارهم المحمود إلى ما هو خيرٌ لهم بالذات، وسيأتي بيانه (أفضل من الفقه في) فروع (الأحكام) ، وهي آثار الخطاب الأزلي المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع من السببية والشرطية والمانعية؛ لابتناء ثبوتها عند المكلف على الفقه في الدين و التصديق به، وابتناء أعماله عليه كما سيشير إليه، ولقوله صلى الله عليه وسلم: (( ما عُبِدَ اللهُ بشيءٍ أفضل مِنْ فقهٍ في دينِ الله [1] ) ، رواه الدار قطني والبيهقي عن أبي هريرة عنه عليه أفضل الصلاة والسلام.
(والفقه) العام لهما عرفًا (معرفة) أي: إدراك جزئيات عن الدليل؛ لأن المعرفة إدراك عن أثرٍ كما في المفردات، فليس التقييد بلا دليل كما ظنّ أو الملكة الحاصلة منه أو المدرك من القواعد، والمراد بالمعرفة على الأول تهيؤ (النفس) الناطقة تهيؤًا تامًّا، كما هو المعروف المشهور في التعريفات؛ لمعرفة جميع (ما) يصح (لها) من الاعتقاديات والعمليات، (وما) يجب (عليها) منها، كما أشار إله بعد بقوله: (أصل التوحيد وما يصح الاعتقاد عليه) معممًا للتفريعات الخلافية بين الأئمة الأعلام، وللأصول الواجبة الاعتقاد على الأنام، فهو يشمل القسمين في قسم الفقه في الدين، ويشمل معرفة الأحكام التكليفية على القيقة من أحكام الواجب والحرام والمكروه تحريمًا مما يجب عليه، ويكلف بإتيانه وتركه، وغير التكليفية على الحقيقة من أحكام المباح والمندوب فعله أو تركه، من المكروه تنزيهًا مما يصح، ويجوز للنفس فعله أو تركه سواء كان مساوي الطرفين، أو مرجحًا في قسم الفقه من الأحكام بلا كلفة في تعميم الكلام، وإلى إيفاء حق المقام باستيعاب الأقسام إجمالًا، وكفى باحتمال المعاني الصحيحة مع القرائن اللفظية@
(1) رواه الدار قطني (3/ 79) ، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (1/ 121)