الصفحة 139 من 285

يكفر) مجازاة على سوء اختياره، (لا يُقال: أساء وظلم) ، تعالى شأنه عن الإساءة والظلم: أي وضع الشيء في غير موضعه لمنافاته لحكمته.

واستدل على تنزيهه تعالى عنهما بوجهين:

الأول: ما أشار إليه بقوله: (لأنه) أي ذلك الظلم والإساءة، (إنما يُقال) ويثبت (لمن خالف ما أمره الله) ، فإن من خالفه مسيءٌ ظالمٌ لنفسه بتعريضه لعذاب الله، أو وضعه ما خَلق في غير ما خُلِق له، والله منزهٌ عن وضع شيء في غير موضعه اللائق بحكمته.

الثاني: وأشار إليه بقوله: (وقد عرف عباده) بإرسال الرسل وإنزال الكتب والتمكين من الاستدلال، (ما طلب منهم من الإيمان به) ومكّنهم لاختياره، وخلق فيهم القدرة الصالحة له ولضده، فأشار إلى منع كون العقاب على ما أراده ظلمًا، ومنع كون إرادة القبيح قبيحة، مستندًا بأنه تصرّف في ملكه تعالى بالحكمة والعدل، مجازاة على سوء الاختيار فيمن صرفه إلى المعصية بعدما تفضّل عليهم بالتمكين من المعرفة والقدرة الكلية، فكان ذلك مقتضى الحكمة.

وفيه إشاراتٌ:

الأولى: أن القضاء هنا بمعنى الإرادة المتعلقة بالأشياء، كما في الحواشي العصامية وغيرها، وإليه أشار بربط الدليل بقوله: وإذا أراد من عبدٍ أن يكفر لا يُقال: أساء وظلم، وسيصرّح بأن له معنيين آخرين هما: الأمر والخلق.

الثانية: أن ما قضاه الله وشاءه كان، وما لم يشأ لم يكن، كما هو المروي عنه صلى الله عليه وسلم، وانعقد الإجماع على إطلاقه.

وإليه أشار بقوله: لا يستطيع أحدٌ أن يجري في ملك الله ما لم يقض: أي لم تتعلق به مشيئته، والأول دليل الثاني؛ لأنه ينعكس بعكس النقيض إلى قولنا: كل ما لم يكن لم يشأ الله ولم يقضه، والثاني دليل الأول؛ لانعكاسه بذلك الطريق إلى قولنا: كل ما كان فقد شاء الله وقضاه، كما في شرح المقاصد.

الثالثة: أن الظلم المنفى عنه تعالى بمعنى وضع الشيء في غير موضعه بالنسبة إلى حكمته، وإليه أشار هنا بنفيه وتعليله بقوله: وقد عرف عباده ما طُلب منهم، فلم ينقصهم التمكين من المعرفة والقدرة الكلية، وإنما أراد الكفر وخصصه لمن اختاره مجازاة على سوء اختياره، فكان في موضعه ومقتضى حكمته، وصرّح في فصل نفي زيادة الإيمان ونقصانه بأنه إنما يكون الظلم بنقص حقهم الذي ثبت لهم بمقتضى وعده من فضله، فهو@

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت