الصفحة 141 من 285

صفاته تعالى عن الحدوث الزماني وسبق العدم، (ووحيه) بإلقاء ما يدل عليه بواسطة جبريل، (وتنزيله) بتنزيل ما يدل عليه من الكلام الحسّي بواسطة نزول حامله (على رسول الله) المبتدأ نزوله بقله: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق: 1] ، كما ذهب إليه الجمهور.

وفيه إشاراتٌ إلى مسائل:

الأولى: أن امراد بقوله: القرآن كلام الله غير مخلوقٍ أن معناه كذا، وبقوله: ووحيه وتنزيله أنه تعالى أظهر تركيبًا عربيًّا يدل عليه في اللوح المحفوظ، وهو موجود أثبت فيه صورة الكائنات وأحكامها، ثم أنزل إلى السماء الدنيا، ثم نزل به الروح الأمين على محمدٍ صلى الله عليه وسلم على حسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة، ثم أمره بوضع كل آيةٍ عقيب ما قبلها، كما في التعديل وغيره، وقد جُمِع ثلاث مرات:

الأولى: بحضرته صلى الله عليه وسلم، فقد صحّ عن زيد بن ثابت: (( كنّا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم نؤَلف القرآن في الرقاع [1] ) أي يؤلفون ما نزل الآيات المفرّقة ويجمعونها في سورها بإشارته صلى الله عليه وسلم، قاله البيهقي.

ومن ثمة قال الخطابي: كُتِبَ القرآن كله في عهده صلى الله عليه وسلم، لكنه كان غير مجموعٍ في موضعٍ واحدٍ ولا مرّب السور.

والثانية: بحضرة أبي بكر رضي الله عنه لما رأى عمر رضي الله عنه ذلك، ومن ثمن ورد أنه أول من جمعه: أي أشار بجمعه، ووافقه أبو بكر فأمر زيدًا بجمعه، فجمعه في صحفٍ كانت عند أبي بكر، ثم عند عمر، ثم عند ابنته حفصة أم المؤمنين، ومن ثمة صح عن علي رضي الله عنه: (( أوّل من جمع كتاب الله أبو بكر [2] ) .

وما روي عنه أنه جمعه: قهو حفظه في صدره.

والثالثة: بحضرة عثمان رضي الله عنه مرتبًا له على السور، كما في شرح الشكاة للعلاّمة الهيتمي رحمه الله.

الثانية: أنه ليس المراد به المدلولات اللغوية من الجواهر والأعراض، كنوح ورسالته، وموسى ومقالته، بل ما يُفهم من العبارات من لمعنى المعلوم لتلك المدلولات. @

(1) رواه الترمذي (5/ 734) ، وأحمد (5/ 184) ، وابن حبان (1/ 320)

(2) ذكره ابن جرر في فتح الباري (9/ 12) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت