وأما العقلي فلأن الرؤية تعلقت بالوجود لا بالجسيمة ولا بالعرضية والجوهرية لأنا نرى الأجسام والأعراض والجواهر، فلو كانت العلة المجاوزة للرؤية في الجسم هي الجسيمة لما تصور رؤية الأجسام والجواهر، كذا لو كانت العلة الموجودة للرؤية في الأعراض هي العرضية، لما تصور رؤية الأجسام والجواهر، لأنه لا جسمية في الأعراض والجواهر ولا عرضية في الجواهر والأجسام. فظهر بهذا أن العلة للرؤية المطلقة عليها إنما هو الوجود لأنه هو الوصف الجامع بين الكل دون الجسيمة والعرضية والجوهرية. والله تعالى موجود فيكون جائز الرؤية. وما لا يرى من الموجودات إنما لا يرى لعدم إجراء الله تعالى العادة برؤيتها، لا لأنها مستحيلة الرؤية. ألا يرى أن الإنسان قد يرى شيئا، وغيره القائم بجنبه قد لا يراه. وإنما لا يراه لأن الله تعالى لم يخلق رؤية ذلك الشيء في بصره، لا لأن ذلك الشيء مستحيل الرؤية، فكذا في من نحن فيه. فهذا كله مذهب أهل السنة والجماعة.
وقالت المعتزلة والخوارج والنجارية، والراوندي والزيدية من الروافض: (( إن الله تعالى مستحيل الرؤية لا يراه أحد ) ). واختلفت المعتزلة في ما بينهم في رؤية الله تعالى الأشياء. قال النظام والكعبي: (( إن الله تعالى لا يرى شيئا، لا نفسه شيئا، لا نفسه ولا غيره ) )ويريدان بكونه بصيرا أنه عالم بالمرئيات.
وقال بعضهم: (إنه لا يرى نفسه لكن يرى غيره) . وقال آخرون منهم: (إنه يرى نفسه لكن لا يرى غيره) . وشبهتهم: في أن الله تعالى مستحيل الرؤية تسمكهم بقوله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ} [الأنعام: 103] ، نفي الإدراك. وهذا نفي تمدح فلا يختلف في الدنيا والآخرة.
وشبهتهم العقلية وهو أن الرؤية المتعلقة بالآلة لابد لها من المسافة بين عين الرائي والمرئي ولابد لها من المقابلة، ولابد لها من اتصال شعاع عين الرائي بالمرئي، ولا بد لها من الجهة، ولا بد أن يكون المرئي ساكنا أو متحركا أو متلونا بلون، ولابد من أن يكون متصلا بشيء أو متباينا عن شيء، ولابد من لأن يرى كله أو بعضه. وكل ذلك مستحيل على الله تعلى بخلاف رؤية الله تعالى إيانا، على قول البعض، لأنه يرانا لا بآلة. واعترضوا على تمسكنا بالآية الأولى فقالوا: يحتمل أن موسى عليه السلام سأل ربه رؤية آية يعلمه بها، أي أراني أية أعلمك بها بطريق الضرورة، كما يجوز ألا يعلم الإنسان شيئا ينظر إليه بطريق الضرورة، ولأن سؤاله الرؤية من الله تعالى إن كان دليلا على جواز الرؤية فقوله تعالى: {لَنْ تَرَانِي} [الأعراف: 143] ، يكون دليلا على عدم جواز الرؤية لأن كلمة: لن، للتأبيد.
وقلنا: هذا فاسد لأن الله تعالى قال: {لَنْ تَرَانِي} [الأعراف: 143] ، ولم يقل: (( لن ترى آياتي ) )ولأنه قال: {أَنْظُرْإِلَيْكَ} [الأعراف: 143] ، ولم يقل: (( أنظر إليها ) )ولابد من النظر إليها أولا ليصير ذلك الشيء دليلا له على العلم بالله تعالى. ولا حجة لهم في كلمة: لن، لأنها كما ت 1 كر للتأبيد تذكر للتوقيت بدليل قوله تعالى: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا