الصفحة 169 من 285

(ص) : (قول في الوصية والفقه الأكبر: ولقاء الله تعالى لأهل الجنة حقّ بال كيفية ولا تشبيه ولا جهة يراه المؤمنون وهم في الجنة بأعين رؤوسهم ولا يكون بينه وبين خلقه مسافة ٌ قال في رواية القاضي الأنصاري والبلخي الحصكفي: حدّثني إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم البجلي عن جرير بن عبد الله، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:(( إنّكُم ستَرَوْن رَبّكم كما تروْن هذا القمر ليلة البدرِ لا تضامُّون في رؤْيَتِهِ ) )

(ش) (قول في الوصية والفقه الأكبر: ولقاء الله تعالى) : أي كونه مرْئيًّا (لأهل الجنة) زيادة في إكرامهم فيها، (حقّ) : أي ثابت بالدلائل القطعيات من بينات الآيات، ومشهورات الروايات واقع (بلا كيفية) : أي ملابسًا لعدم الكيفيات المعتبرة في رؤية الأجسام والأعراض لما سيأتي من البيان، (ولا تشبيه) له تعالى بشيء من المخلوقات، (ولا جهة) له، ولا تحيزٌ في شيء من الجهات.

وفيه إشاراتٌ:

الأولى: أنه تعالى يرى بلا تشبيه لعباده في الجنة بخلق قوة الإدراك في الباصرة من فير تحيزِ ومقابلةٍ، ولا مواجهة، ولا مسامتة.

لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ) [الزخرف: 77] ، واعترضوا على تمسكنا بالآية الثانية فقالوا: إن النظر قد يجيء بمعنى الانتظار. فمعنى قوله تعالى: (ناظرة) أي منتظرة. وقلنا: هذا فاسد أيضًا لأن الجنة ليست بدار الانتظار لما في الانتظار من النصب ما لا يخفى ولأن الله تعالى قرن النظر بكلمة: إلى، والنظر الحاصل بالوجه المقرون بكلمة: إلى، لا يكون إلا بآلة مخصوصة وهي العين. واعترضوا على تمسكنا بالدليل العقلي وقالوا: إن الرؤية لا تعلق لها ألا بالجسيمة، والله تعالى ليس بجسم فلا يرى. وقالوا: رؤية الأعراض ممنوعة عن أعيننا. وقلنا: هذا فاسد لأنا نميز بأبصارنا بين الأسود والأبيض وبين المتحرك والساكن. فلو لم نر منهما إلا الجسم لما وقع التمييز بينهما كما لا يقع التمييز بين العالم والجاهل برؤية أجسامهما. وإذا ثبت أن الأعراض مرئية، والأجسام والجواهر كذلك والوصف الجامع بيناهما ليس إلا الوجود، تقرر ما ذكرنا من الإلزام. وتمسكهم بالآية لا ينفع لأن الله تعالى نفى الإدراك دون الرؤية. وبه نقول: إن ذات الله تعالى ليس بمدرك لأن الإدراك هو الوقوف على أطراف الشيء وجوانبه وذات الله تعالى منزه عن ذلك. شبهتهم العقلية باطلة برؤية الله تعالى إيانا فإنه يرانا بلا مسافة ولا جهة ومقابلة. فلو كانت هذه الأشياء من القرائن اللازمة للرؤية لما تصور وجود الرؤية بدونها. وحيث تصور علمنا أنها ليست من القرائن اللازمة للرؤية وإنما يحتاج إليها في الرؤية إذا كان المرئي في المكان. وذلك مستحيل على الله تعلى. وباطلة أيضًا بالعلم فإن الله تعالى نعلمه من غير مسافة ومن غير جهة ومن غير مقابلة بالعلم. وكما عرفناه اليوم بلا كيفية نراه من الجنة غدا بلا كيفية، والله المعين على قمع المبتدعين. @

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت