الصفحة 170 من 285

الثانية: إمكان ذلك وثبوته بالآيات والأحاديث المشهورة، وإليه أشار بالحق في مقام الاستدلال وهي كثيرة.

منها: قوله تعالى حكايةً عن موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام: {رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي} [الأعراف: 143] ، وقوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 22، 23] وقوله تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس: 26]

روى أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (( الحسنى: الجنّة، والزيادة: النّظرُ إلى وجه الله تعالى [1] ) .

ومنها: ما رواه عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، عنه - صلى الله عليه وسلم - انه قال: (( إن أكرم أهلِ الجنّة على الله من ينظر إلى وجهه غدْوةً وعشيّةً، ثم قرأ: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ(22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 22، 23] [2] )، وغير ذلك كما سيأتي.

الثالثة: الردّ على فرق المبتدعة كالمشبّهة، والكرّامية النافية للرؤية بلا مكان ولا جهة، والمعتزلة والنجارية والخوارج النافية لمطلق الرؤية.

ولا نزاع لهم في إمكان الانكشاف التام العلمي، ولا لنا في امتناع ارتسام الصورة، أو اتصال الشعاع، أو حالة مستلزمة لذلك.

بل النزاع في أنا إذا نظرنا إلى البدر فلنا حالة إدراكية نسمّيها الرؤية مغايرة لما إذا أغمضنا العين، وإن كان ذلك انكشافًا جليًّا، فهل يحصل للعباد بالنسبة إلى الله تعالى تلك الحالة وإن لم يكون هناك مقابلة؟ كما في شرح المقاصد وفيره.

وإليه أشار بقوله: (يراه المؤمنون وهم في الجنة) ، دون المرئي تعالى (بأعين رؤوسهم) لا ببصائر هم فقط لعدم النزاع فيه.

الرابعة: أن المراد بنفي الكيفية والجهة: خلو تلك الرؤية عن الشرائط والكيفيات المعتبرة في رؤية الأجسام والأعراض، مع سلامة الحاسّة وكون المرئي بحيث يمكن رؤيته من المقابلة وعدم القرب القريب، والبعد البعيد، واللطافة والصغر والحجاب، لا بمعنى خلو الرؤية أو الرائي والمرئي عن جميع الحالات والصفات على ما يفهم أرباب الجهالات،@

(1) ) رواه ابن عدي في الكامل (2/ 260) ، وأبو نعيم في الحلية (5/ 204) ، والديلمي في الفردوس (3/ 323) .

(2) رواه الترمذي (4/ 688) ، (5/ 431) ، وأحمد (2/ 64) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت