الصفحة 268 من 285

لاستحالة الجهل عليه.

والمختار أنها لطف من الله يحسن فعلها، ولا يقبح تركها، ولا يبتني على استحقاق من المبعوث واجتماع شروط فيه، كما زعمه الفلاسفة، بل الله تعالى يختص برحمته من يشاء، وهو أعلم حيث يجعل رسالاته، كما في شرح المقاصد، وإليه أشار الإمام بالإطلاق وعدم بيان الوجوب في المقام.

الثالثة: أن المعجزة في العرف أمرٌ خارق للعادة، مقرونٌ بالتحدي مع عدم المعارضة، فعمم بالأمر للفعل كانفجار الماء من بين لأصابع، وعدمه كعدم إحراق النار، واحتراز بقيد المقارنة للتحدي عن كرامات الأولياء والآليات الإرهاصية التي تتقدم بعثة الأنبياء، وعن أن يتخذ الكاذب معجزة من مضى من الأنبياء حجة لنفسه، وبقيد عدم المعارضة عن السحر والشعبذة، كما ذكره الإمام الرازي.

وإليه أشار بالآيات في المقام؛ لأن المتبادر منها خوارق العادات الدالة على صدق الأنبياء في دعواهم المقارنة لها، فإنها بمنزلة صريح التصديق لما جرت العادة به من أن الله يخلق عقيبها العلم الضروري بالصدق، كما إذا قام رجل من مجلس ملك بحضور جماعة، وادّعى أنه رسول ذلك الملك، فطالبوه بالحجة، فقال: هي أن يخالف ذلك الملك عادته، ويقوم عن سريره ثلاث مرات ويقعد، ففعل فإنه يكون تصديقا له، ومفيدا للعلم الضروري بصدقه من غير ارتياب.

ثم أشار إلى أظهر معجزات نبينا - صلى الله عليه وسلم - على الخصوص، فقال:

(ص) (وقال في رواية البلخي والخوارزمي: حدثني الهيثم بن حبيب الصيرفي عن عامر الشعبي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال:(انشقّ القمر على عهٍد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة فلقتين) .

(ش) (وقال في رواية البلخي والخوارزمي: حدثني الهيثم بن حبيب الصيرفي عن عامر الشعبي) ، التابعي الجليل المجتهد، أدرك خمسمائة من الصحابة (عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: (انشقّ القمر على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة فلقتين [1] .

فإن هذا من جملة معجزات نبينا - صلى الله عليه وسلم - الظاهرة المتواترة، قد رواه جمع كثير من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، كابن مسعود وغيره قالوا: قد انشقّ القمر شقين القمر شقين متباعدين بحيث كان الجبل بينهما، وكان ذلك في مقام التحدي، فكان معجزة، كما في شرح المواقف. @

(1) رواه البخاري (3/ 1330) ، ومسلم (4/ 2158) ، والترميذي (5/ 398) ، وأحمد (1/ 377) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت