‹
الصفحة 285 من 285

قال الإمام الرازي في المطالب العالية: الشرائع منها ما يُعرف نفعه بالعقل معاشًا ومعادًا، فهذا يمتنع طروٌ النسخ عليه، كمعرفة الله تعلى وطاعته أبدًا.

ومجامع هذه الشرائع العقلية أمران: التعظيم لأمر الله، والشفقة على خلق الله، ومنها سمعية لا يُعرف الانتفاع بها إلا بالسمع، وهذا يمكن طروٌ نسخه وتبديله، وحكمة نسخه أن الأعمال البدنية إذا واظب عليها الخلف عن السلف صارت كالعادة، وظنَّ أنها مطلوبة لذاتها فيمتنع الوصول بها؛ لما هو المقصود في معرفة الله وتمجيده، بخلاف ما إذا تغيرت تلك الطرق، وعلم أن المقصود من الأعمال إنما هو رعاية أحوال القلب والروح في المعرفة والمحبّة، فإن الأوهام تنقطع عن الاشتغال بتلك الصور والظواهر إلى تطهير السرائر.

وإلى بيانه أشار بقوله: (ولذلك قال تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ} أيتها الأمم( {شِرْعَةً} ) : أي شريعة وهي الطريقة إلى الماء شبه بها الدين؛ لأنه طريقٌ إلى ما هو سبب الحياة الأبدية، ( {وَمِنْهَاجًا} ) وطريقًا واضحًا في الدين من نهج الأمر إذا وضح، ( {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} [المائدة: 48] ) ، جماعة متفقة على دينٍ واحدٍ في جميع الأعصار من غير نسخٍ وتبديلٍ.

قال في التفسير الكبير: وردت آيات دالة على عدم التباين في طريقة الأنبياء والرسل، كقوله تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا} [الشورى: 13] الآية، وآيات دالة على حصول التباين فيها، كقوله تعلى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} ، وطريق الجمع أن الأولى مصروفةٌ إلى ما يتعلّق بأصول الدين، والثانية إلى ما يتعلّق بفروعه.

السابعة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن متعبدًا قبل النبوة بشرع أحد من الأنبياء بما أراده الله من الحق، كما هو المتبادر من التعليل، وصرّح به ابن تيمية في الفتاوى، واختاره الجمهور، كما في الشفاء؛ لانتساخ الشرائع السابقة بشرع عيسى عليه السلام، وعدم بقاء جماعة يثبت بخبرهم الحجة على شرعه، كما صرَّح به الباقلاني@

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت