وجوب الإيمان بالعقل لمن أدرك مدة التجربة في المسائل السبعة المشهورة، فيما رواه الحاكم الشهير في المنتقي، والناطفي في الأجناس، وأبو زيد الدبوسي في التقويم، والهمذاني في خزانة الأكمل، وأبو منصور السمرقندي في الميزان أنه (قال في رواية أبي يوسف ومحمد: ولو لم يبعث الله تعالى للناس رسولا) مبينا لهم ما وجب عليهم (لوُجب عليهم) : أي على البالغين منهم كما هو المتبادر لظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: (( رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم ... الحديث [1] ، وحمله الإمام أبو منصور وكثير من العراقيين على الوجوب بالعقل الغريزي وتحمل الاستدلال، وأولوا الحديث برفع الشرائع عنه، والجمهور على خلافه، وهذا إن أريد بوجوب المعرفة والإيمان وجوت أدائه، وإن أريد أصل الوجوب فهو وفاق من الأكثرين، كما في الكشف الكبير قبيل باب أهلية الأداء،(معرفته) : أي معرفة وجوده تعالى وما يتوقف عليه ذلك من وحدته وعلمه وقدرته وكلامه وإرادته، وأنه محدث العالم (بعقولهم) المستفادة التي يدور عليها التكليف بالاستدلال في مدة التجربة والاستدلال كما هو المتبادر، ويشير إليه التعليل الآتي، لا مطلقا كما قال جمهور المعتزلة لعدم القدرة على الاستدلال بدون مدته.
وفيه إشارات إلى مسائل:
الأولى: أن العقل آلة لمعرفة الوجوب الثابت الله تعالى، ولمعرفة الحسن اللازم له لا موجب كما قالت المعتزلة، وإليه أشار بباء الآلة، وهو معتبر وآلة لمعرفة ذلك بدون السمع، وإليه أشار بالشرطية لا لفهم الخطاب، ومعرفة صدق الناقل فقط كما قاله جمهور الأشاعرة، كما في شرح البزدوي وغيره.
الثانية: أن الحسن وكذا القبح مدلولان بالأمر والنهي إجمالا فيما يدرك عقلا لا موجبان بهما، كما في الميزان، وإليه أشار بنسبة وجوب معرفة الله تعالى وما يتوقف عليه إلى العقل، لما تقرر من حسن الواجبات، وقبيح المحرمات.
وذهب كثير من أئمتنا إلى أنهما مدلولان مطلقا كما في الكشف الكبير خلافا لجمهور الأشاعرة، فإنهما موجبان مطلقا عندهم، فلا يجوز عندنا نسخ ما لا يحتمل حسنه أو قبحه أو قبحه السقوط، كما يشير إليه الإمام خلافا لهم كما في التحرير. @
(1) رواه أبو داود (4/ 139) ، (4/ 140) ، (4/ 141) ، والنسائي (3/ 360) ، (4/ 323) ، (4/ 324) ، وأحمد (1/ 116) ، (1/ 118) ، (1/ 140) ، (1/ 155) ، (1/ 158) ، (1/ 101) ، و ابن ماحه (1/ 658) .