أصحاب المختار بن أبى عبيد، كان خارجيًا ثم صار زبيريًا، ثم صار شيعيًا وكيسانيًا، قال بإمامة محمد ابن الحنفية بعد أمير المؤمنين علىّ رضى الله عنهما، وقيل: لا، بل بعد الحسن والحسين، وكان يدعو الناس إليه ويظهر أنه من رجاله ودعاته، ويذكر علومًا مزخرفة ينوطها به.
ولما وقف محمد ابن الحنفية على ذلك تبرأ منه خاصة، وأظهر لأصحابه عند العامة براءته ليصرف الناس عنه ليمشى أمره على إمارة الحسين، وليجمع أمر زين العابدين على أعداء أهل الدين، وأنه إنما يبث على الخلق ذلك ليتمشى أمره ويجتمع الناس عليه، وإنما انتظم له ما انتظم بأمرين:
أحدهما: انتسابه إلى محمد ابن الحنفية علمًا ودعوة.
والثانى: قايمه بثأر الحسين رضى الله عنه، واشتغاله ليلًا ونهارًا بقتال الظلمة الذين اجتمعوا على قتل الحسين.
ومن مذهب المختار أنه يجوز البداء على الله تعالى .. والبداء له معان، فالبداء في العلم - وهو أن يظهر له خلاف ما علم - ولا أظن عاقلًا يعتقد هذا الاعتقاد، والبداء في الإرادة - وهو أن يظهر له صواب على خلاف ما أراد وحكم، والبداء في الأمر - وهو أن يأمر بشىء ثم يأمر بعده بخلاف ذلك. ومَن لم يُجوِّز النسخ ظن أن الأوامر المختلفة في الأوقات المختلفة متناسخة.
وإنما صار المختار إلى اختيار القول بالبداء، لأنه كان يدّعى علم ما يحدث من الأحوال، إما بوحى يُوحَى إليه، وإما برسالة من قِبَل الإمام. فكان إذا وعد أصحابه بكون شىء، وحدوث حادثة، إن وافق كونه قوله، جعله دليلًا على صدق دعواه، وإن لم يوافق قال: قد بدا لربكم!!
وكان لا يُفرِّق بين النسخ والبداء، قال: إذا جاز النسخ في الأحكام جاز البداء في الأخبار.
وقيل: إن السيد محمد ابن الحنفية تبرأ من المختار حين وصل إليه أنه قد لبُس على الناس أنه من دعاته ورجاله، وتبرأ من الضلالات التى ابتدعها المختار من التأويلات الفاسدة، والمخاريق المموِّهة.
فمن مخاريقه: أنه كان عنده كرسى قديم قد غشَّاه بالديباج ويَّنه بأنواع الزينة وقال:"هذا من ذخائر أمير المؤمنين علىّ عليه السلام، وهو عندنا بمنزلة التابوت لبنى إسرائيل"، فكان إذا حارب خصومه يضعه في الصف ويقول:"قاتلوا ولكم الظفر والنصر، وهذا الكرسى محله فيكم محل التابوت في بنى إسرائيل، وفيه السكينة والبقية، والملائكة من فوقكم ينزلون مددًا لكم".
وحديث الحمامات البيض التى ظهرت في الهواء - وقد أخبرهم قبل ذلك بأن الملائكة تنزل على صورة الحمامات البيض - معروف، والأسجاع التى ألَّفها أبرد تأليف مشهور.
وإنما حمله على الانتساب إلى محمد ابن الحنفية حسن اعتقاد الناس فيه وامتلاء القلوب بحبه، والسيد كان كثير العلم غزير المعرفة وقّاد الفكر مصيب الخاطر في العواقب، وقد أخبره أمير المؤمنين عن أحوال الملاحم، وأطلعه على مدارج المعالم، قد اختار العزلة وآثر الخمول على الشهرة، وقد قيل إنه كان مستودعًا علم الإمامة حتى سلَّم الأمانة إلى أهلها، وما فارق الدنيا حتى أقرها في مستقرها، وكان"السيد الحميرى"، و"كثير"الشاعر من شيعته، قال"كثير"فيه:
*ألا إنَّ الأئمة من قريش * ولاة الحق أربعة سواء*
*علىّ، والثلاثة من بنيه * هم الأسباط ليس بهم خفاء*
*فسبط، سبط إيمان وبر * وسبط غيَّبته كربلاء*
*وسبط لا يذوق الموت حتى * يقود الخيل يقدمه اللواء*
*يغيب، ولا يرى فيهم زمانًا * برضوى، عنده عسل وماء*
وكان"السيد الحميرى"أيضًا يعتقد أنه لم يمت، وأنه في جبل رضو بين أسد ونمر يحفظانه، وعنده عينان نضَّاختان تجريان بماء وعسل، ويعود بعد الغيبة فيملأ العالم عدلًا كما مُلِئت جورًا، وهذا هو الأول حكم بالغيبة، والعود بعد الغيبة حكم به الشيعة وجرى ذلك في بعض الجماعة حتى اعتقدوه دينًا وركنًا من أركان التشيع.
ثم اختلف الكيسانية بعد انتقال محمد ابن الحنفية في سوق الإمامة، وصار كل اختلاف مذهبًا.