أولًا - الذوق: وهو تفرس حال المدعو، هل هو قابل للدعوة أم لا؟ ولذلك منعوا من إلقاء البذر في السبخة. أى دعوة مَن ليس قابلًا لها، ومنعوا التكلم في بيت فيه سراج ... أى في موضع فيه فقيه أو متعلم.
ثانيًا - التأنيس: باستمالة كل أحد من المدعوين بما يليل إليه بهواه وطبعه، من زهد، وخلاعة، وغيرهما، فإن كان يميل إلى زهد زيَّنه في عينه وقبَّح نقيضه، وإن كان يميل إلى الخلاعة زيَّنها وقبَّح نقيضها، ومَن رآه الداعى مائلًا إلى أبى بكر وعمر مدحهما عنده وقال: لهما حظ في تأويل الشريعة، ولهذا استصحب النبى أبا بكر إلى الغار، ثم إلى المدينة، وأفضى إليه في الغار تأويل الشريعة ... وهكذا حتى يحصل له الأنس به.
ثالثًا - التشكيك في أصول الدين وأركان الشريعة: كأن يقول للمدعو: ما معنى الحروف المقطعة في أوائل السور؟ ولِمَ تقضى الحائض الصوم دون الصلاة؟ ولِمَ يجب الغُسل من المنى دون البول؟ ولِمَ اختلفت الصلوات في عدد ركعاتها فكان بعضها ركعتين، وبعضها ثلاثًا، وبعضها أربعًا؟..
وحيث يشككون بمثل هذا فلا يجيبون ليتعلق قلب مَن يشككونه بالرجوع إليهم والأخذ عنهم.
رابعًا - الرابط، وهو أمران: (أحدهما) : أخذ الميثاق على الشخص بأن لا يفشى لهم سرًا، ويستدلون على ذلك بقوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِّيثَاقًا غَلِيظًا} ، وقوله: {وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا} ، (وثانيهما) : حوالته على الإمام في حل ما أشكل عليه من الأمور التى ألقيت إليه، فإنها لا تُعلم من قِبَل الإمام.
خامسًا - التأسيس: وهو تمهيد مقدمات يراعون فيها حال المدعو لتقع تعاليمهم منه موقع القبول من نفسه.
سابعًا - الخلع: وهو الطمأنينة إلى إسقاط الأعمال البدنية.
ثامنًا - السلخ: وهو سلخ المدعو من العقائد الإسلامية، ثم بعد ذلك يأخذون في تأويل الشريعة على ما تشاء أهواؤهم.
فأنت ترى أن الباطنية توسَّلوا بكل هذه الحيل إلى تشكيك المسلمين في عقائدهم، وكأنهم رأوا أن القرآن ما دام موجودًا بين المسلمين ومحفوظًا عندهم يرجعون إليه في أمور الدين، ويهتدون بهديه كلما نزلت بهم نازلة، فليس من السهل صرف الناس عنه إلا بواسطه تأويله، وصرف ألفاظه وآياته عن مدلولاتها الظاهرة، فأخذوا يجدّون في تأويل نصوص القرآن كما يحبون. وعلى أى وجه يرونه هدمًا لتعاليم الإسلام، الذى أصبح قذىً في أعينهم، وشجىً في حلوقهم!!
وحرصًا منهم على أن تكون دعواهم في تأويل القرآن مقبولة لدى مَن يستخفونه .. قالوا:"إن الأئمة هم الذين أودعهم الله سره المكنون، ودينه المخزون، وكشف لهم بواطن هذه الظواهر، وأسرار هذه الأمثلة، وإن الرشد والنجاة من الضلال بالرجوع إلى القرآن وأهل البيت، ولذلك قال عليه السلام - لما قيل: ومن أين يُعرف الحق بعدك؟-:"ألم أترك فيكم القرآن وعترتى"؟ وأراد به أعقابه، فهم الذين يطلعون على معانى القرآن".
ولكن احتيال الباطنية بتأويل القرآن على هدم الشريعة لم يلق رواجًا عند عقلاء المسلمين، ولم يجد غباوة في عقول علمائهم الذين نصبوا أنفسهم لحماية القرآن من أباطيل المضللين .. وكيف يمكن أن يجد رواجًا عند هؤلاء أو غباوة من أولئك وقد علموا وتيقنوا بأن الألفاظ إذا صُرِفت عن مقتضى ظواهرها بغير اعتصام فيه يُنقل عن صاحب الشريعة، ومن غير ضرورة تدعو إليه من دليل العقل، اقتضى ذلك بطلان الثقة بالألفاظ، وسقط به منفعة كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن ما يسبق منه إلى الفهم لا يُوثق به، والباطن لا ضبط له، بل تتعارض فيه الخواطر، ويمكن تنزيله على وجوه شَتَّى.