فهرس الكتاب

الصفحة 1094 من 2585

هنا سر خفي في قوله عناني فأفرد وما أعطى لهؤلاء المحبوبين من نفسه أعنة مختلفة فدل أن هذا المحب وإن كان مركبا فما أحب إلا معنى واحدا قام له في هؤلاء الثلاثة أي ذلك المعنى موجود في عين كل واحدة منهن والدليل على ذلك قوله في تمام البيت وحللن من قلبي بكل مكان فلو أحب من كل واحدة معنى لم يكن في الأخرى لكان العنان الذي يعطي لواحدة غير العنان الذي يعطي الأخرى ولكان المكان الذي تحله الواحدة غير المكان الذي تحله الأخرى فهذا واحد أحب واحدا وذلك الواحد المحبوب موجود في كثيرين فأحب الكثير لأجل ذلك وهذا كحبنا الله تعالى له ومنا من يحبه لنفسه ومنا من يحبه للمجموع وهو أتم في المحبة لأنه أتم في المعرفة بالله والشهود لأن منا من عرفه في الشهود فأحبه للمجموع ومنا من عرفه لا في الشهود ولكن في الخبر فأحبه له ومنا من عرفه في النعم فأحبه لنفسه ومنا من أحبه للمجموع وذلك أن الشهود لا يكون إلا في صورة والصورة مركبة والمحب ذو صورة مركبة فيسمع من وجه فيحبه للخبر مثل

قوله على لسان نبيه هل واليت لي وليا أو عاديت في عدوا

فإذا أحببت الأشياء من أجله وعاديت الأشياء من أجله فهذا معنى حبنا له ليس غير ذلك فقمنا بجميع ما يحبه منا أن نقوم به عن طيب نفس ويكون من لا يشاهده من صورتي في حكم التبع كما هي الجوارح منا وحيوانيتنا بحكم النفس الناطقة لا تقدر على مخالفتها لأنها كالآلات لها تصرفها كيف تريد في مرضاة الله وفي غير مرضاته وكل جزء من جوارح الإنسان إذا ترك بالنظر إلى نفسه لا يتمكن له أن يتصرف إلا فيما يرضى الله فإنه له وجميع ما في الوجود بهذه المثابة إلا الثقلان وهو قوله وإِنْ من شَيْ ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ يريد بذلك التسبيح الثناء على الله لا للجزاء لأنه في عبادة ذاتية لا يتصور معها طلب مجازاة فهذا من حبه له سبحانه إلا بعض النفوس الناطقة لما جعل لها في معرفة الله القوة المفكرة لم تفطر على العلم بالله ولهذا قبض عليها في قبض الذرية من ظهورهم وأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ شهادة قهر فسجدت لله كرها لا طوعا من أجل القبض عليها ثم أرسلها مسرحة من تلك القبضة الخاصة وهي مقبوض عليها من حيث لا تشعر فتخيلت أنها مسرحة فلما وجدت مدبرة لهذا الهيكل المظلم جرت في الأمور بحسب ما يعطيها غرضها لا تحب من الأمور إلا ما يلائم طبعها وغفلت عن مشهد الإقرار بالربوبية عليها لموجدها فبينا هي كذلك إذ قالت لها القوة المفكرة جميع القوي قد استعملتها وغفلت عني وتركتني وأنا من بعض آلاتك وما لك بي عناية فاستعمليني فقالت لها نعم لا تؤاخذيني فإني جهلت رتبتك وقد أذنت لك في التصرف فيما تعطيه حقيقتك حتى أتحقق بما أنت عليه فأصرفك فيه وأستعملك فقالت سمعا ثم ردت وجهها القوة الفكرية إليها كالمعلمة وقالت لها لقد غفلت عن ذاتك وعن وجودك أنت لم تزالي هكذا موجودة لذاتك أو لم تكوني ثم كنت قالت النفس لم أكن ثم كنت قال الفكر فهذا الذي كونك عينك أو غيرك فكري وحققي واستعمليني فلهذا العمل أنا ففكرت النفس فعلمت بما أعطاها الدليل أنها لم توجد عينها وأنها موجودة لغيرها فالفقر للموجد لها ذاتي بما تجده في نفسها مما يقوم بها من الآلام الطبيعية فتفتقر إلى الأسباب المعتادة لإزالة تلك الآلام فبذلك الافتقار علمت أنها فقيرة في وجود عينها للسبب الموجد لها فلما ثبت لها حدوثها وثبت أن لها سببا أوجدها ثم فكرت فعلمت إن ذلك السبب لا ينبغي أن يشبهها فيكون فقيرا مثلها وإنه لا يناسب هذه الأسباب المزيلة لآلامها لمشاهدتها حدوث هذه الأسباب بعد أن لم تكن وقبولها للاستحالات والفساد فثبت عندها أن لها موجدا أوجدها وأوجد كل من يشبهها من الحوادث والأسباب المزيلة لآلامها فتنبهت أن ثم أمرا ما لولاه لبقيت ذات مرض وعلة فمن رحمته بها أوجد لها هذه الأسباب المزيلة آلامها وقد كانت تحب هذه الأسباب وتجري إليها بالطبع فانتقل تعلق ذلك الحب في السبب الموجد تلك الأسباب وقالت هو أولى بي إن أحبه ولكن لا أعلم ما يرضيه حتى أعامله به فحصل عندها حبه فأحبته لما أنعم عليها من وجودها ووجود ما يلائمها وهنا وقفت وهي في ذلك كله غافلة ناسية إقرارها بربوبية موجدها في قبضة الذر فبينا هي كذلك إذ جاءها داع من خارج من جنسها ادعى أنه رسول من عند هذا الذي أوجدها فقالت له أنت مثلي وأخاف أن لا تكون صادقا فهل عندك من يصدقك فإن لي قوة مفكرة بها توصلت إلى معرفة موجدي فقام لها بدليل يصدقه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت