فهرس الكتاب

الصفحة 1095 من 2585

في دعواه ففكرت فيه إلى أن ثبت صدقه عندها فآمنت به فعرفها أن ذلك الموجد الذي أوجدها كان قد قبض عليها وأشهدها على نفسها بربوبيته وإنها شهدت له بذلك فقالت ما عندي من ذلك خبر ولكن من الآن أقوم بواجب ذلك الإقرار فإنك صادق في خبرك ولكن ما أدري ما يرضيه من فعلي فلو حددت حدودا ورسمت لي مراسم أقف عندها حتى تعلم أني ممن وفي بشكره على ما أنعم به علي فرسم لها ما شرع فقامت بذلك شكرا وإن خالف غرضها ولم تفعل ذلك خوفا ولا طمعا لأنه لما رسم لها ما رسم ابتداء وعرفها أن وقوفها عند تلك المراسم يرضيه وما ذكر لها ما لها في ذلك من الثواب وما عليها إن خالفت من العقاب فبادرت هذه النفس الزكية لمراضيه في ذلك فقالت لا إله إلا الله كما قيل لها ثم بعد ذلك عرفها بما لها في ذلك من الثواب الجزيل والإنعام التام وما لمن خالف شرعه من العقاب فانضاف إلى عبادتها إياه حبا ورضي خاصة عبادة أخرى تطلبها رغبة في الثواب ورهبة من العقاب فجمعت في عبادتها بين أمرين بين عبادة له وعبادة رغبة ورهبة فأحبته له ولنفسها من حيث ما هي كثيرة بطبيعتها وروحانيتها فتعلقت الرغبة والرهبة من حيث طبيعتها وتعلقت عبادتها إياه محبة له من روحانيتها فإن أحبت شيئا من الموجودات سواه فإنما تحبه من روحانيتها له ومن طبيعتها النيل غرضها فلما رآها الحق على ذلك وقد علم أن من حقيقتها الانقسام وقد جمعت بين الحبين وهو قد وصف نفسه بالغيرة فلم يرد المشاركة وأراد أن يستخلصها لنفسه فلا تحب سواه فتجلى لها في صورة طبيعية وأعطاها علامة لا تقدر على إنكارها في نفسها وهي المعبر عنها بالعلم الضروري فعلمت أنه هو هذه الصورة فمالت إليه روحا وطبعا فلما ملكها وعلم أن الأسباب لا بد أن تؤثر فيها من حيث طبيعتها أعطاها علامة تعرفه بها ثم تجلى لها بتلك العلامة في جميع الأسباب كلها فعرفته فاحبت الأسباب من أجله لا من أجلها فصارت بكلها له لا لطبيعتها ولا لسبب غيره فنظرته في كل شي ء فزهت وسرت ورأت أنها قد فضلت غيرها من النفوس بهذه الحقيقة فتجلى لها في عين ذاتها الطبيعية والروحانية بتلك العلامة فرأت أنها ما رأته إلا به لا بنفسها وما أحبته إلا به لا بنفسها فهو الذي أحب نفسه ما هي أحبته ونظرت إليه في كل موجود بتلك العين عينها فعلمت أنه ما أحبه غيره فهو المحب والمحبوب والطالب والمطلوب وتبين لها بهذا كله أن حبها إياه له ولنفسها فما شاهدته في هذه المرتبة الأخرى من حبها إياه إنما كان به لا بها ولا بالمجموع وما ثم أمر زائد إلا العدم فأرادت أن تعرف ما قدر ذلك الحب وما غايته فوقفت على

قوله كنت كنزا لم أعرف فأحببت أن أعرف

وقد عرفته لما تجلى لها في صورة طبيعية فعلمت أنه يستحق من تلك الصورة التي ظهر لها فيها اسم الظاهر والباطن فعلمت أن الحب الذي أحب به أن يعرف إنما هو في الباطن المنسوب إليه وعلمت أن المحب من شأنه إذا قام بالصورة أن يتنفس لما في ذلك التنفس من لذة المطلوب فخرج ذلك النفس عن أصل محبة في الخلق الذي يريد التعرف إليهم

ليعرفوه فكان العماء المسمى بالحق المخلوق به فكان ذلك العماء جوهر العالم فقبل صور العالم وأرواحه وطبائعه كلها وهو قابل إلى ما لا يتناهى فهذا بدء حبه إيانا وأما حبنا إياه فبدؤه السماع لا الرؤية وهو قوله لنا ونحن في جوهر العماء كن فالعماء من تنفسه والصور المعبر عنها بالعالم من كلمة كن فنحن كلماته التي لا تنفد قال تعالى وكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وهي عيسى ورُوحٌ مِنْهُ وهو النفس وتلك الحقيقة سارية في الحيوان فإذا أراد الله أمانته أزال عنه النفس فبالنفس كانت حياته وسيأتي في باب النفس صور التكوينات عنه في العالم فلما سمعنا كلامه ونحن ثابتون في جوهر العماء لم نتمكن أن نتوقف عن الوجود فكنا صورا في جوهر العماء فأعطينا بظهورنا في العماء الوجود للعماء بعد ما كان معقولي الوجود حصل له الوجود العيني فهذا كان سبب بدء حبنا إياه ولهذا نتحرك ونطيب عند سماع النغمات لأجل كلمة كن الصادرة من الصورة الإلهية غيبا وشهادة فشهادة صورة كلمة كن اثنان كاف ونون وهكذا عالم الشهادة له وجهان ظاهر وباطن فظاهره النون وباطنه الكاف ولهذا مخرج الكاف في الإنسان أدخل لعالم الغيب فإنه من آخر حروف الحلق بين الحلق واللسان والنون من حروف اللسان وغيب هذه الكلمة هو الواو بين الكاف والنون وهي من حروف الشفتين فلها الظهور وهي حرف علة لا حرف صحيح ولهذا وجد عنه التكوين لأنه حرف علة ولما كان من حروف الشفتين بامتداد النفس من خارج الشفتين إلى ظاهر الكون لهذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت