فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 94

= برهانه ولم يسعفه بيانه، ووجد مناظره قوي الحجة، صحيح البرهان، واضح البيان، لم يجد سبيلا لمقاومته إلا أن يهجره، ويوصي أصحابه بهجره، حتى لا يتأثروا بحسن منطقه، فينضموا إليه. وهذا هو ما فعله المشركون في مقاومة دعوة التوحيد، وهي الدعوة التي أيدتها قضايا العقول، وشهدت بصحتها الفطر السليمة، (فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله) ومن المشركين من لجأوا في محاربة دعوة التوحيد، إلى طريقة بدائية، حين كان العقل الإنساني ما زال في دور طفولته. استمع إلى سيدنا نوح عليه السلام، وهو يشكو إلى الله قومه (وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا) قال ابن عباص جعلاو أصابعهم في آذانهم لئلا يسمعوا ما يقول واستغشوا ثيابهم، قال غطوا بها وجوههم لكيلا يروا نوحا ولا يسمعوا كلامه. ونحن نعلم أن الأطفال إذا تنازعوا في شئ من لعبهم، يضع أحدهم إصبعه في أذنيه، لئلا يسمع كلام منازعه، يغيظه بذلك. فإذن قد استعمل قوم نوح طريقة صبيانية. ومن المشركين من استعمل التشويش، كما يستعمل الآن في الإذاعة بين الدول ا لمتحار بة. وأول من ابتدع الهجر من المشركين آزر والد ابراهيم عليه السلام فإنه لما ضاق ضرعا بدعوة ابنه إلى التوحيد وعجز عن معارضة حجته، لم يجد مخلصا منه إلا أن قال له (أراغب انت عن آلهتي يا ابراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا) أي اعتزلني دهرا طويلا، حتى لا أسمع دعوتك. وكذلك فعل المشركون مع النبي صلى الله عليه وسلم ومع صحابته. ومن هذا المعنى قوله تعالى: (وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيمون سمعا) أي كانوا لا يستطيعون أن يسمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لشدة عداوتهم له فهم يهجرونه، ويبتعدون عنه. =

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت