الصفحة 27 من 88

، أوجب ذلك مغفرة ما سلف من الذنوب كلها، ومنعه من دخول النار بالكلية. فمن تحقق بكلمة التوحيد قلبه، أخرجت منه كل ما سوى الله محبةً وتعظيمهًا وإجلالًا ومهابةً، وخشيةً، ورجاءً وتوكلًا، وحينئذ تُحْرَقُ ذنوبه وخطاياه كلها ولو كانت مثل زبد البحر، وربما قلبتها حسنات) أ. هـ.

إذًا هذا التوحيد لو وضع ذرة منه على جبال الذنوب والخطايا، لقلبها حسنات فلله الحمد والمنة على عفوه ومغفرته. فعن أم هاني عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال"لا إله إلا الله لا يسبقها عمل، ولا تترك ذنبًا"أخرجه أحمد بسند جيد. وعند أحمد وابن ماجه عن شداد بن أوس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأصحابه:"ارفعوا أيديكم وقولوا: لا إله إلا الله"فرفعنا أيدينا ساعة ثم وضع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يده، ثم قال:"الحمد لله، اللهم بعثتني بهذه الكلمة، وأمرتني بها، ووعدتني عليها الجنة، وإنك لا تخلف الميعاد"ثم قال:"أبشروا، فإن الله عز وجل قد غفر لكم".

قال ابن القيم: ويُعفى لأهل التوحيد المحض الذي لم يشوبوه بالشرك مالا يُعفى لمن ليس كذلك فلو لقي الموحد الذي لم يشرك بالله شيئًا ألبته ربه بقراب الأرض خطايا أتاه بقرابها مغفرة، ولا يحصل هذا لمن نقص توحيده، فإن التوحيد الخالص الذي لا يشوبه شرك، لا يبقى معه ذنب، لأنه يتضمن من محبة الله وإجلاله وتعظيمه، وخوفه ورجائه وحده ما يوجب غسل الذنوب ولو كانت قراب الأرض فالنجاسة عارضة، والدافع قوي أهـ وحديث عبد الله بن عمرو المشهور بحديث البطاقة.

أما العبادة التي تقومون بها ترجون عفو الله ومغفرة الذنوب فهي جهادكم في سبيل الله الذي جاءت النصوص المتظاهرة من الكتاب والسنة على عفو الله ومغفرته ورفعة درجات من قام به قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} وقال تعالى {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّن عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ} وقال تعالى {الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} وقال تعالى {إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} فهنا حصلت مبايعة، وحصلت فيها البشرى بهذا البيع حيث إنها تجارة رابحة وهو حصول الفوز العظيم أي لا فوز أعظم ولا تجارة أربح منه وهو الذي سماه الله الفوز العظيم.

أثامن بالنفس النفيسة ربها ... وليس لها في الخلق كلهم ثمن

بها تملك الأخرى فإن أنا بعتها ... بشيء من الدنيا فذاك هو الغبن

لئن ذهبت نفسي بدنيا أصيبها ... لقد ذهبت نفسي وقد ذهب الثمن

وعن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"القتل في سبيل الله يكفر كل شيء إلا الدين"وعن أبي قتادة - رضي الله عنه: أن رجلًا قام فقال: يا رسول! أرأيت إن قتلت في سبيل الله تكفر عني خطاياي؟ فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"نعم إن قتلت في سبيل الله، وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر"ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"كيف قلت؟"قال: أرأيت إن قتلت في سبيل الله أتكفر عني خطاياي؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت