الصفحة 32 من 88

الحمد لله الذي السر عنده علانية، يعلم ما تخفي الصدور وما تكنه الضمائر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له القائل في وصف قلوب أهل النفاق: {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضًا وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أمره ربه بجهاد الكفار و المنافقين فقال له {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين ساروا على هذا المنهج القويم وسلم تسليمًا كثيرا.

أما بعد: فالنفاق في اللغة: هو من جنس الخداع والمكر و إظهار الخير وإبطان خلافه.

وشرعًا ينقسم إلى أكبر و أصغر.

فالأكبر هو أن يظهر الإنسان الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ويبطن ما يناقض ذلك كله أو بعضه وهذا هو الذي نزل القران بذم أهله وتكفيرهم، وأن صاحبه في الدرك الأسفل من النار. قال ابن تيمية رحمه الله: (فمن النفاق ما هو أكبر، يكون صاحبه في الدرك الأسفل من النار، كنفاق عبد الله بن أبي وغيره. بأن يظهر تكذيب الرسول أو جحود بعض ما جاء به، أو عدم اعتقاد وجوب اتباعه، أو المسرة بانخفاض دينه، أو المساءة بظهور دينه. ونحو ذلك مما لا يكون صاحبه إلا عدوا لله ورسوله) .

وأما الأصغر فهو نفاق العمل، وهو أن يظهر الإنسان علانيةً صالحة، ويبطن خلاف ذلك قال الحسن البصري رحمه الله: (كان يقال: النفاق اختلاف السر والعلانية، والقول والعمل والمدخل والمخرج، وكان يقال: أُسُّ النفاق الذي بني عليه النفاق الكذب) قال أبو هريرة وأبو الدرداء رضي الله عنهما عوذوا بالله من خشوع النفاق قيل وما هو؟ قال: أن ترى الجسد خاشعا، والقلب ليس بخاشع. رواه ابن المبارك وعن حذيفة قال: المنافق الذي يصف الإيمان ولا يعمل به. قال بلال بن سعد رحمه الله: المنافق يقول ما يَعرِفُ، ويعمل ما ينكر. رواهما الفريابي في صفة المنافق.

وقد استنبط محمد بن كعب القرظي ما في حديث آيه المنافق ثلاث من القرآن فقال: مصداق ذلك في كتاب الله {إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ} إلى قوله {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} وقال تعالى {وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِه} إلى قوله {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} وقال {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ} إلى قوله {لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ} رواه الطبري في تفسيره، وروى البخاري (قال أناس لابن عمر إنا ندخل على سلطاننا فنقول لهم بخلاف ما نتكلم إذا خرجنا من عندهم، قال: كنا نعدها نفاقًا) ، ونفاق العمل أصوله خمسة: أحدهما: إذا حدث كذب. الثاني: إذا وعد أخلف. الثالث: إذا خاصم فجر. الرابع: إذا عاهد غدر. والخامس: إذا اؤتمن خان. وهذه الخصال كما جاءت في حديث عبد الله بن عمرو وأبي هريرة رضي الله عنهما.

واعلم أيها المجاهد أن النفاق خافه سادات أهل الإسلام من الصحابة رضوان الله عليهم ومن بعدهم فيجب عليك أن تحذره وتخافه، روى مسلم عن حنظلة الأُسَيِّدي قال: وكان من كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: لقيني أبو بكر فقال: كيف أنت يا حنظلة؟! قال: قلت: نافق حنظلة، قال سبحان الله ما تقول! قال: قلت: نكون عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يُذكِّرنا النار والجنة، حتى كأنا رأي عين, فإذا خرجنا من عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، فنسينا كثيرا، قال أبو بكر: فوالله، إنا لنلقى مثل هذا، فانطلقت أنا وأبو بكر، حتى دخلنا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قلت: نافق حنظلة، يا رسول الله! فقال رسول

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت