الصفحة 21 من 88

الحمد لله الذي منَّ على عباده المؤمنين بالأمن والأمان في الدنيا والآخرة قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} وأشهد ألا إله إلا الله وحده نصر عبده، وأنجز وعده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله القائل:"نصرت بالرعب مسيرة شهر"وعلى آله وصحبه {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا مزيدًا، أما بعد:-

فإنه لما أعلن الطاغوت الأبله عبد الله بن عبد العزيز عن جعل أمانٍ للمطلوبين بأن يُسلموا أنفسهم، فمتى عُلم بأن الطاغوت يأمن على نفسه فكيف يؤمن غيره فهو لم يأمن من أقرب الناس إليه وهم إخوانه وهو لا يستطيع أن يأمن في أكله وشربه وقيامه وقعوده حتى النوم لا ينام إلا بمهدئات ومع ذلك هو من أشد الناس فزعًا في نومه، وأما المطلوبون فلن يسلموا أنفسهم لشدة ماهم فيه من طيب عيشٍِ ونعيم قلبٍ ويغمرهم الفرح والسرور فلن يُسلِّم هؤلاء المجاهدون أنفسَهم بإذن الله لأمور منها:

أولًا: أن طريقهم الذي ساروا عليه ليس عندهم فيه شكٌ ولا ريبٌ فيما يعتقدون صحته لأن معهم الأدلة من الكتاب والسنة قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} وقال تعالى: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِين َويُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمَْ} وقال تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} وقال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه} وأنهم قاموا لتطهير ما دَنَّسَهُ هؤلاء الطواغيتُ في جزيرة العرب حيث إن كلَّ صاحبِ ديانةِ باطلةِ جاءوا به إلى هذه الجزيرة التي أوصى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند موته بتطهيرها من كل كافر فقال:"أخرجوا المشركين من جزيرة العرب"رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عباس، وكما جاء عند مسلم من حديث عمر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلما"وكما جاء في مسند الإمام أحمد من حديث أبي عبيدة بن الجراح - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال في آخر حياته:"لا يجتمع في جزيرة العرب دينان"فمن هذه النصوص الصحيحة الصريحة وغيرها انطلق المجاهدون ليطبقوا هذه النصوص على أرض الواقع ولم ينظروا إلى من خالفهم في ذلك؛ لأنه لا قول لأحدٍ مقابل النصوص، قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: لا قول لأحدٍ عند سنَّةٍ سَنَّها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -.

ثانيًا: أن المجاهدين يأوون إلى ركنٍ شديدٍ كما أوى إلى ذلك الرسلُ وأتباعُهم، أوى إليه إبراهيمُ لما أُلقي في النار فقال: (حسبنا الله ونعم الوكيل) وأوى إليه موسى كما قال تعالى: {فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} وأوى إليه نبيُنا محمدُ - صلى الله عليه وسلم - فحفظه الله من مكر أعدائه كما قال تعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} ولما قال له صاحبه في الغار أبو بكر الصديق - رضي الله عنه: لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا فقال:"ما ظَنُّك يا أبا بكر باثنين اللهُ ثالثُهما"رواه البخاري، وهاهم المجاهدون اليوم لا يستنصرون بأحد سوى الله فقد تَكَفَّل بنصرهم وتأييدهم لما تخلَّى عنهم الجميع إلا من رحم الله فهو الذي كتب على نفسه النصر لعباده تكرمًا وتفضلًا فقال: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} وقال: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} وقال {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت