الحمد لله الذي حمد نفسه على عدم اتخاذ الولد المتضمن لكمال صمديته وغناه وملكه وتعبيد كل شيء له، وحمد نفسه على عدم الشريك المتضمن تفرده بالربوبية والإلهية، وتوحده بصفات الكمال التي لا يوصف بها غيره، فالحمد في الأولى والآخرة لمن لا يغلبه غالب، ولا يفوته هارب لعظمته وسلطانه وهو الواحد القهار، فمن كان القوي العزيز ناصره فهو المنصور، وعدوه مخذول مقهور، لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، غلب كل شيء، وقهر كل شيء، الحكيم في أقواله وأفعاله شرعًا وقدرًا.
وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي نصره الله بالرعب مسيرة شهر القائل:"بشّر هذه الأمة بالسناء والرفعة والنصر والتمكين في الأرض"صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين استنصروا بربهم فنصرهم ومن تبعهم بإحسان وسار على نهجهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين، أما بعد:
فالاستنصار بالله: هو طلب النصر والتأييد والمدد من الله قال تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ} فيا أهل الجهاد استنصروا بالله فإنه ينصر من نصره من غير احتياج منه إلى الناس، ولذا شرع الجهاد ليبلو بعضكم ببعض، فلا تهنوا للمز الحاقدين ولا انبطاح المتعايشين ولا تخذيل القاعدين ولا استرهاب عدوكم فإن حزب الله هم الغالبون وحزب الشيطان هم الخاسرون فهذا نوح عليه السلام لما استنصر بربه نصره، قال تعالى: {وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ} وهكذا استنصر بربه لوط فقال: {قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ} فاستجاب الله له فقال: {إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} وهكذا استمر نصر الله لرسله وأوليائه وتحديهم لأقوامهم فهذا هود وتبرؤه من قومه و تحديهم قال: {إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} وهذا إبراهيم هدده قومه وخوفوه بآلهتهم فرد عليهم تهديدهم وتخويفهم بقوله: {وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله مالم ينزل به عليكم سلطانًا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} وهل آلهتكم تنفعكم وتنصركم أو تنصر نفسها وتدفع عنها الضر؟ فقال تعالى: {وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنتَصِرُونَ فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ} فلما بذل رسله عليهم الصلاة و السلام أعراضهم فيه لأعدائهم فنالوا منهم وسبّوهم أعاضهم الله من ذلك بأن صلى عليهم هو وملائكته، وجعل لهم أطيب الثناء بين خلقه فأخلصهم بخالصةٍ ذكرى الدار.
وأما أقوامهم الذين كذبوا الرسل فقد أبادهم الله ونوّع في عذابهم وانتقم منهم، فقال تعالى: {فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} فاستمر إرسال الرسل في كل أمة وعدم استجابة أقوامهم لهم إلا القليل منهم، ثم أطبق الشرك أقطار الأرض في اليهود والنصارى والمجوس والعرب والهند إلا بقايا من أهل الكتاب واستطار شرره في الآفاق من المشرق إلى المغرب، روى مسلم عن عياض بن حمار المجاشعي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"ألا إن ربي قال: خلقت عبادي حنفاء كلهم وإنهم أتتهم"