الصفحة 58 من 88

الحمد لله الذي شرح صدور أهل الإيمان والتقوى، بالإنفاق في سبيل الله للقيام بالعروة الوثقى، فسمحت نفوسهم ببذل الأموال في سبيله وابتغاء مرضاته وإعلاء كلمته؛ ليحصل لهم الفلاح والفوز في الدنيا والآخرة، ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الذي يمينه سحّاء الليل والنهار، لا تغيضها نفقة، وأن ما عنده لا ينقص ولا ينفد وما عند خلقه ذاهب وزائل، أمر عباده بالإنفاق ووعدهم بالخُلف والمضاعفة والمغفرة لذنوبهم فقال: {إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ} ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله القائل:"من أنفق نفقة في سبيل الله تضاعف بسبعمائة ضعف"، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحابته من المهاجرين الذين وُصِفوا بقوله: {ِللْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} ، فصَدَّقُوا أقوالهم بأفعالهم، هجروا المحبوبات من الأوطان والخلان والأموال، كل ذلك نصرةً لدين الله ورسوله، فاستقبلهم قومٌ فتحوا قلوبهم وبيوتهم، وقاسموهم أموالهم؛ إنهم الأنصار الذين جاء وصفهم في قوله: {وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} ، فرضي الله عنهم وأرضاهم ومن تبعهم وسلم تسليمًا كثيرًا مزيدًا، أما بعد:

فإن الله أمر عباده بجهاد عدوه، وكما تجاهد عدوك بنفسك، أوجب الله عليك مجاهدة عدوك بمالك قال صلى الله عليه وسلم:"جاهدوا المشركين بأموالكم وأيديكم وألسنتكم"رواه أحمد والنسائي وأبو داود بسندٍ صحيح، وكل صاحب مال ليس له عذر في ترك الجهاد به، بخلاف الجهاد بالنفس، فإن أصنافًا من الناس معذورون في ترك الجهاد بالنفس، لكنهم ليسوا معذورين في جهاد المال، وهذا مثل الأعرج والأعمى والمريض والمرأة، كما جاءت في ذلك النصوص قال تعالى: {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا} ، وكما قال تعالى: {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ} ، وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في غزاة، فقال:"إن أقوامًا بالمدينة خلفنا ما سلكنا شعبًا ولا واديًا إلا وهم معنا فيه، حبسهم العذر"قال البخاري: باب من حبسه العذر عن الغزو. وفي صحيح مسلم من حديث جابر - رضي الله عنه - قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة، فقال:"إن بالمدينة لرجال ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم حبسهم المرض"وكذلك النساء معذورات في الجهاد بالنفس قال تعالى: {رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ} ، عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: يا رسول الله! نرى الجهاد أفصل العمل، أفلا نجاهد، قال:"لا؛ لكن أفضل الجهاد حج مبرور"رواه البخاري، فهؤلاء معذورون في الجهاد بالنفس، لكن من كان عنده مال فيجب عليه أن يجاهد بماله، وينفقه في سبيل الله؛ لقول الله تعالى: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين َ} ، روى البخاري عن حذيفة - رضي الله عنه - قال: نزلت في النفقة، ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره عن حذيفة قال: يعني بترك النفقة في سبيل الله، وقال ابن عباس عن هذه الآية: (ليس ذلك في القتال، إنما هو في النفقة، أن تمسك عن النفقة في سبيل الله) . قال ابن كثير رحمه الله: (ومضمون الآية الأمر بالإنفاق في سبيل الله، في سائر وجوه القربات ووجوه الطاعات،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت