الصفحة 65 من 88

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والعاقبة للمتقين، ولا إله إلا الله إله الأولين والآخرين، الذي لا فوز إلا في طاعته، ولا عز إلا بالتذلل والانكسار لعظمته، ولا غنى إلا في الافتقار إلى رحمته، الذي إذا أُطيع شكر، وإذا عُصيَ تاب وغَفَر، وإذا دُعي أجاب، وإذا سُئلَ أعطى، اللهم اجعلنا أفقر عبادك إليك، وأغنى خلقك بك، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، القائل {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُون} تفضّل على هذه الأمة بصيام شهر رمضان، وفضّله على سائر الشهور، وجعل لياليه العشر الأواخر خير الليالي، وجعل في هذه الليالي ليلةً هي أفضل الليالي، قيامها عن ألف شهرٍ في الفضل والخيرية، فله الحمد أولًا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، كان أجود ما يكون في رمضان، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل عليه السلام أجود بالخير من الريح المرسلة، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا مزيدًا .. أما بعد:

فإن الصيام هو الإمساك عن الطعام والشراب والجماع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بنية خالصة لله عز وجل، ولما كان المقصود من الصيام هو زكاة النفس وحبسها عن شهواتها وفطامها عن مألوفاتها وتطهيرها وتنقيتها من الأخلاط الرديئة والأخلاق الرذيلة، لطلب غاية سعادتها وتذكيرها بتلك الأكباد الجائعة ليوجب عليها مواساة الفقراء والمعدمين، وتضييق عليه مجاري الشيطان فإنه يجري من ابن آدم مجرى الدم، فبالصيام يضعف نفوذه، فهو لجام المتقين وقرة عيون الأبرار المقربين، وجِنّةٌ من النار كجنة المحاربين، هو سرٌ بين العبد وربه لا يطّلع عليه سواه، وهو لرب العالمين من بين سائر الأعمال، يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجله، فهو أمرٌ لا يطّلع عليه بشر، وهذا هو حقيقة الصيام، ولذا قال ربنا في الحديث القدسي:" (الصوم لي وأنا أجزي به) "متفقٌ عليه، واعلم أن للصوم تأثيرٌ عظيم في حفظ جوارح الإنسان الظاهرة، وهو يحافظ على صلاح القلب أيضًا.

فيا أهل الجهاد: هذا موسمكم لتتنافسوا فيه، واعلموا أن سبب تكفير الذنوب: الجهاد والاستشهاد، وكذلك رمضان سببٌ لتكفير الذنوب كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفراتُ ما بينهنّ إذا اجتُنبَتِ الكبائر"رواه مسلم.

وكونوا كالريح المرسلة في هذا الشهر اتباعًا لهدي رسولكم صلى الله عليه وسلم، فإنه أكمل هديًا فاستنوا به واقتدوا بأفعاله، فكان أجود الناس، وكان أعظم ما يكون بالجود في شهر رمضان، جاء في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير، وأجود ما يكون في شهر رمضان لأن جبريل كان يلقاه في كل ليلة في شهر رمضان حتى ينسلخ، يعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن، فإذا لقِيَه كان أجود بالخير من الريح المرسلة) .

ولما كان الله أكمل نبيه صلى الله عليه وسلم على أكمل الأخلاق والأعمال وأشرفها؛ كان جوده بجميع أنواع الجود من بذل نفسه لله في إظهار دينه وإعلاء كلمته وإيصال النفع إليهم، ومن نشر العلم وبذل المال، وإطعام الجائع ووعظ الجاهل وقضاء الحوائج، وفكّ العاني، وهذا من نشأته صلى الله عليه وسلم كما قالت خديجة رضي الله عنها في قصة نزول الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (كلا، أبشر فوالله لا يخزيك الله أبدًا، فوالله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكلّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعينُ على نوائب الحق) متفقٌ عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت