الصفحة 66 من 88

ثم بعد بعثته تضاعفت خصال الخير عنده أضعافًا كثيرة، وتزداد هذه في رمضان، فمن هذه الأعمال التي ينبغي لكل مسلم التنافس فيها - وخاصةً المجاهدون - لأن المجاهد يجاهد بأعماله لا بقوته وكثرته، كما قال أبو الدرداء: إنما تقاتلون بأعمالكم [1] .

فبادروا باستغلال هذا الشهر في الجود والمسابقة فيه بالأعمال الصالحة، فإن كثرة الأعمال في حال الصيام من أعظم أسباب دخول الجنة، ولأن النفوس في حال صيامها تتنافس بكثرة الأعمال، فعن أبي هريرة صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من أصبح منكم اليوم صائمًا؟"قال أبو بكرٍ: أنا، قال:"فمن تبع منكم اليوم جنازة؟"قال أبو بكرٍ: أنا، قال:"فمن أطعم اليوم مسكينًا؟"قال أبو بكرٍ: أنا، قال:"فمن عاد منكم اليومَ مريضاًَ؟"قال أبو بكرٍ: أنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما اجتمعن في امرئٍ إلا دخل الجنة"رواه مسلم.

وتكثر خاصةً في شهر رمضان، لأن فيه تُفتّحُ أبواب الجنة، وتغلقُ أبواب النار، وتُسلْسَلُ الشياطين، كما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا.

ومن هذه الأعمال:

أولًا: الصيام، فقد أوجب الله سبحانه وتعالى عليكَ أيها المسلم صيامَ شهرِ رمضان، قال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} وعن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه"أن أعرابيًا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثائر الرأس فقال: يا رسول الله؛ أخبرني ماذا فرَضَ الله عليّ من الصلاة؟ فقال: الصلوات الخمس إلا أن تطوّعَ شيئًا، فقال: أخبرني ماذا فرض الله علي من الصيام؟ فقال: شهر رمضان إلا أن تطوّعَ شيئًا، فقال: أخبرني بما فرض الله علي من الزكاة؟ فقال: فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم شرائعَ الإسلام، قال: والذي أكرمك لا أتطوعُ شيئًا، ولا أنقصُ مما فرضَ الله عليّ شيئًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أفلح إن صدق"، أو"دخل الجنة إن صدق"متفقٌ عليه."

وقد تواترت الأحاديث في وجوب صيام شهر رمضان، بل لقد جاء بأن في الجنة بابًا خاصًا بأهل الصيام، ففي الصحيحين عن سهل بن سعد رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن في الجنة بابًا يقال له: الريّان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخلُ منه أحدٌ غيرهم، يُقال: أين الصائمون؟ فيقومون لا يدخل منه أحدٌ غيرهم، فإذا دخلوا أُغلِق فلم يدخل منه أحد".

والصيام كفارةٌ للذنوب، جاء في الصحيحين عن حذيفة رضي الله عنه قال:"قال عمر رضي الله عنه: من يحفظُ حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم في الفتنة؟ قال حذيفة: أنا، سمعته يقول: فتنة الرجل في أهله وماله وجاره تكفرها الصلاة والصيام والصدقة"قال البخاري رحمه الله: باب الصوم كفّارة، وفيهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من صام رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفرَ له ما تقدّم من ذنبه".

وهذا مشروطٌ بشروط: أن يصومه إيمانًا واحتسابًا، وكذلك أن يحفظ صيامه مما ينبغي أن يُتحفّظَ منه، أخرج أحمد وابن حبّان بسندٍ لا بأس به عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"من صام رمضان وعرَفَ حدوده، وتحفّظَ مما ينبغي له أن يُتَحَفّظَ فيه؛ كفّرَ ما كان قبله".

والصوم حصنٌ وسترٌ لك من النار، لما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"الصيامُ جُنَّةٌ"، فالجُنّةُ هي ما يستجنّ به العبد كالمِجَنّ الذي يقيه عند القتال من الضرب، فكذلك الصيام يقي صاحبه من المعاصي في الدنيا، فإذا

(1) وأخبر صلى الله عليه وسلم أن النصر له أسباب ومن أسبابه؛ وجود الضعفاء والمساكين الصالحين الذين هم عند المنبطحين والمنهزمين القاعدين؛ سببٌ للهزيمة، قال صلى الله عليه وسلم:"هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم"قال البخاري رحمه الله: باب من استعان بالضعفاء والصالحين في الحرب ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت