الحمد لله الذي جعل محبته حياة القلوب، ونعيم الأرواح، وبهجة النفوس، وقرة العيون، وأشهد أن لا إله إلا الله القائل {فَسَوْفَ يَاتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} وأشهد أن محمدًا عبده وخليله وصفيه صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه الذين تنافسوا في طلب محبة الله فنالوها، أما بعد:
فحقيقة العبودية: هي الحب التام مع الذل التام والخضوع للمحبوب، فمن لا محبة له لا إسلام له ألبتة، ولما كانت محبة الله بهذه المكانة تنافس من أجلها المتنافسون , وإليها شخص العاملون , وإلى علمها شمر السابقون ... وهي الحياة التي من حُرمها فهو من جملة الأموات، والنور الذي من فقده فهو في بحار الظلمات، والشفاء الذي من عُدمه حلت بقلبه جميع الأسقام وهي روح الإيمان والأعمال، تالله لقد ذهب أهلها بشرف الدنيا والآخرة، إذ لهم من معية محبوبهم أوفر نصيب، وقد قضى الله يوم قدر مقادير الخلائق بمشيئته وحكمته البالغة أن المرء مع من أحب.
يالها من نعمة على المحبين سابغة، أجابوا منادي الشوق إذ نادى بهم: حي على الفلاح، وبذلوا نفوسهم في طلب الوصول إلى محبوبهم وكان بذلهم بالرضا والسماح، وواصلوا إليه المسير بالإدلاج والغدو والرواح.
تأخر البطالون، وقام المحبون ينظرون أيهم يصلح أن يكون ثمنًا؟ فدارت السلعة بينهم ووقعت في يد قومٍ اتصفوا بصفات المؤمنين الكمّل قال تعالى {فَسَوْفَ يَاتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} وهذه الصفات الحميدة الشريفة لها رجال ملأ الله قلوبهم صدقًا ويقينًا فقال عنهم: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} عن أنس قال: غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر فقال: يا رسول الله، غبت عن أول قتال قاتلت المشركين، لئن الله أشهدني قتال المشركين ليرين الله مما أصنع، فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون قال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء، يعني أصحابه، وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء، يعني المشركين. ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ، فقال: يا سعد بن معاذ، الجنة ورب النضر، إني أجد ريحها من دون أحد. قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع. قال أنس: فوجدنا به بضعًا وثمانين ضربة بالسيف أو طعنة برمح أو رميه بسهم، ووجدناه قد قتل وقد مثل به المشركون، فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه. قال أنس: كنا نرى أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} متفق عليه.
ففرق والله بين من صدقوا ما عاهدوا الله عليه وبين من لو خرجوا للقتال لأبغض الله خروجهم لإفسادهم بين صفوف المجاهدين قال تعالى {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالًا ولأَوْضَعُوا خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} قال القرطبي: (تسلية للمؤمنين في تخلف المنافقين عنهم. والخبال: الفساد والنميمة وإيقاع الاختلاف والأراجيف) .أهـ فلا تهنوا إخواني المجاهدين ولا تلتفتوا لهؤلاء المخذلين الذين يلمزونكم ويعيبون جهادكم كحال الذين يلمزون المطوعين منكم بالصدقات وهاهم اليوم يتهمونكم حتى بالسرقات وقطع الطريق والاستيلاء على السيارات وسفك الدماء وترويع الآمنين، أما يرى ويسمع هؤلاء ماذا يفعل جند الطاغوت حماة الصليب بهؤلاء المجاهدين؟ هلا تكلموا عن هؤلاء الطواغيت وجندهم كيف سفكوا الدماء واستحلوا الأموال فأظهروا الكفر البين الواضح المستبين وأخافوا حتى الحجيج إلى بيت الله الحرام فتأخر من شرق الجزيرة إلى مكة ما تخاف إلى الله