الحمد لله الذي جعل من صفاته العفو والإحسان، وأحب من اتصف بذلك فقال: {وَأَحْسِنُوَا إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} أشهد أن لا إله إلا الله وحده حافظًا لعباده المؤمنين وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي قال: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:
فيا أهل الجهاد جاءكم عفو ملكي إن أخذتم به مع ما فيه من الذلة والهوان والسجن سنوات طوال بدون حكم أو يحكم عليكم من وزارة الداخلية عن طريق القضاة فمثلًا يحكمون بعشر سنوات فإذا مضت نصف المدة ربما أخرجوكم وقالوا:"مكرمة"أو"عفو ملكي"مع ما فيه من التعذيب والغدر والخيانة والمكر والخديعة، وتسببتم على أنفسكم بترك عفو ملكي سماوي ممن يملك العفو ويغفر الزلل ويعظم الأجر ويرفع الدرجة، يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم.
فاعلموا عِظَم ما من الله به عليكم وأسداه من فضله وإحسانه إليكم بالجهاد في سبيله، والحراسة والرباط فيه، وإغاظة أعداء الله وإنزال الضرر والضيق بهم فإن هذه الأعمال من أعظم أسباب عفو الله لكم ومغفرته لذنوبكم قال
تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} واعلموا أن ما قمتم به في هذا الزمان من إعلان التوحيد الذي قام على الكفر بالطاغوت والإيمان بالله فأعلنتم ذلك ثم قمتم بتطبيقه واقعًا ملموسًا، تريدون به أن يرفع الله لكم المنازل عنده ويكفر السيئات فاحمدوا الله على أن هداكم لهذا {قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} قال ابن عمر - رضي الله عنه: (فَضْلُ الله الإسلام، ورحمتُه تزيينه في القلب) فالنصوص جاءت في تكفير السيئات ورفعة الدرجات والعفو والمغفرة من رب الأرض والسموات لأهل الإيمان والتوحيد، قال تعالى: {يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إَن تَتَّقُوا اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} وقالتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} وفي الصحيحين عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل"وفي لفظ"أدخله الله من أبواب الجنة الثمانية"وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما، إلا دخل الجنة"وعند مسلم عن عبادة بن الصامت قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول"من شهد أن لا إله إلا الله و أن محمدًا رسول الله، حرَّم الله عليه النار"وفي صحيح مسلم عن أبي ذر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"يقول الله عز وجل: (من لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئًا، لقيته بمثلها مغفرة) "وفي الباب عن عدة من الصحابة في أن التوحيد من أعظم أسباب عفو الله عن العبد ومغفرته لذنوبه، فمن فَقَدَهُ فَقَدَ المغفرة ومن جاء به فله الأمن والهداية التامة قال تعالى {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} قال ابن رجب في جامع العلوم: (فمن جاء مع التوحيد بقراب الأرض خطايا، لقيه بقرابها مغفرة إلى أن قال فإن كمل توحيد العبد وإخلاصه لله فيه وقام بشروطه كلها بقلبه ولسانه وجوارحه، أو بقلبه ولسانه عند الموت