الحمد لله الصبور الشكور، الذي كل عسير عليه يسير، جعل الإمامة في الدين تنال بالصبر واليقين، وأشهد ألا إله إلا الله القائل: {وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} فالسلامة من كيد الفجار ومكر الكفار والاستنصار عليهم لا يكون إلا بالصبر واليقين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله إمام الصابرين وأسوة لمن بعده إلى يوم الدين. أصبرهم لحكم ربه وأشكرهم لنعمه وأقربهم إليه وسيلة، قام لله بالصبر والشكر حق القيام حتى بلغ رضاه، فثبت في مقام الصبر حتى لم يلحقه أحدٌ من الصابرين، وترقى في درجة الشكر حتى علا فوق جميع الشاكرين صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه الذين لاقوا في سبيل القيام بهذا الدين و أرخصوا في ذاته الغالي والنفيس، فبذلوا مهج النفوس ونافسوا في بذل الأموال فباعوها لله وقالوا لا نقيل ولا نستقيل.
أما بعد: فيا أيها المجاهدون إن طريقكم صعب ووعر لا تستطيعه إلا النفوس الزكية الأبية المحبة المحبوبة الذين بشر الله بهم عند وجود أهل الردة بأن يختارهم عن غيرهم فضلًا منه وكرمًا فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَاتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} فها أنتم جعلكم الله أشد منعةً و أقوم سبيلًا وهذا من توفيقه لكم فاصبروا على ما ابتلاكم الله به قال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} فالله جعل الصبر جوادًا لا يكبو، وصارمًا لا ينبو، وجندًا غالبًا لا يهزم وحصنًا حصينًا لا يهدم ولا يثلم، فهو والنصر أخوان شقيقان، فعليكم بالصبر والثبات، ولزوم المراكز والمعسكرات، وإياكم والضجر والسآمة والملل، وغير ذلك مما يؤول بصاحبه إلى الوهن والفشل، واحذروا التفرق والتنازع والاختلاف، والانسحاب عن شيء من تلك المقامات والمواقف، فإن النصر مع الصبر والفرج مع الكرب والعسر مع اليسر، وهو أنصر لصاحبه من الرجال بلا عدة ولا عدد، ومحله من الظَّفَر كمحل الرأس من الجسد. فيا حراس العقيدة ويا حماة الدين يا من باع نفسه بأغلى السلع، فالله المشتري وأنت البائع والسلعة: (إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهد في سبيله ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض) فقد علق بالصبر والتقوى الإمداد بالجنود التي لا تغلب، ويعقبه النصر والظفر قال تعالى: {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُوا ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} وقال تعالى: {بَلَى إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَاتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ} وقال النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس:"واعلم أن النصر مع الصبر"أحمد ج1 صـ293ـ ولذا أمرك ربك بالاستعانة به وإنه نعم العون والعدة فمن لا صبر له لا عون له قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} فالزَم الصبر وأَكْثِر من الصلاة تَنَلَ معية فاطر الأرض والسماوات فمن كان الله معه صار معه القوة التي لا تغلب، فلا يُقهر العدو بمثل هذا أبدًا. فاستعينوا بالله واصبروا ولا تهنوا ولا تحزنوا وأبشروا وأملوا وأحسنوا الظن بربكم وقرب وعده لكم قال تعالى: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} وقال تعالى: {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ} . ولا تظنوا أن تنالوا العزة والرفعة والتمكين حتى تبتلوا بالقتال والشدائد قال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَاتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَاسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ} وقال تعالى: الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن