الحمد لله الذي جعل الدعاء من أشرف العبادات، وجعل التقرب إلى الله به من أعظم القربات، وأشهد أن لا إله إلا الله المتوحد بالكمال والجمال، له الأسماء الحسنى أمرنا أن ندعوه بها، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وصفيهُ وخليلهُ، خيرُ من دعا ربه بالليل والنهار، وأكثرَ دعاءَه واستغفارَه بالأسحار، وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا، أما بعد:
فاعلم أيها المسلم أن الدعاء نوعان: دعاء مسألة ودعاء عبادة، فدعاء المسألة: هو طلب ما ينفع الداعي من جلب نفع أو كشف ضر {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ} ، ودعاء العبادة: هو دعاء الخوف والرجاء قال تعالى: {وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} ومعلوم أن النوعين من الدعاء متلازمين، فكل دعاء عبادة مستلزم لدعاء المسألة، وكل دعاء مسألة متضمن لدعاء العبادة، قال تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} فهذه الآية دلت على قرب الرب وإجابته لدعوة من دعاه، فالقرب نوعان: قرب بعلمه من كل خلقه، وقرب من عابديه وداعيه بالإجابة والمعونة والنصر والتأييد والتوفيق، فما من داع يدعو بحضور قلب وانكسار وتذلل للرب ودعا بدعاء مشروع ولم يكن عنده مانع من موانع إجابة الدعاء وخصوصًا إذا أتى بأسباب إجابة الدعاء، وهي الاستجابة لله تعالى بالانقياد لأوامره ونواهيه القولية والفعلية والإيمان به الموجب للاستجابة، إلا استجاب الله له.
فيا أهل الجهاد اعلموا أن الدعاء من أعظم أسباب النصر، وهو من أقوى الأسلحة للمؤمن ضد عدوه، وهو أعظم عبادة تتقربون بها إلى ربكم، عن النعمان بن بشير - رضي الله عنه - قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (الدعاء هو العبادة) ثم قال: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} رواه أحمد وأبو داوود وابن ماجة والترمذي وقال: حسن صحيح. وروى مالك في الموطأ عن نافع أنه سمع عبدالله بن عمر رضي الله عنهما وهو على الصفا يدعو يقول: (اللهم إنك قلت: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} وإنك لا تخلف الميعاد, وإني أسالك كما هديتني للإسلام أن لا تنزعه مني حتى تتوفاني و أنا مسلم) .
فانظر يا أخي وفقنا الله وإياك إلى عظيم فضل الله وكرمه ورحمته كيف يدعو عباده إلى ما هو خير لهم مما يصلح دينهم ودنياهم وآخرتهم مع غناه عنهم وافتقارهم إليه، فكم دعاهم إلى الجنة وإلى الصراط المستقيم، كما قال تعالى: {وَاللّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} وكم دعا عباده إلى مغفرة ذنوبهم كما قال تعالى: {قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى} ، ودعا عباده وناداهم بأن يدعوه فيستجيب لهم، جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له".
إذا علمت فضل الله عليك فازدد لله شكرًا بكثرة دعائه، لأن دعاء الله من أعظم العبادات وأفضلها كما دلت على ذلك نصوص الكتاب و السنة، أخرج الحاكم وصححه أن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: (أفضل العبادة الدعاء) وقرأ {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} . وروى أحمد في الزهد عن مطرف قال: (تذكرت ما جماع الخير فإذا الخير كثير فالصلاة والصيام وإذا هو في يد الله تعالى، وإذا أنت لا تقدر على ما في يد الله إلا أن تسأله فيعطيك) فتبين أن الدعاء من أجل العبادات وأكرمها على الله.