وخاصة صرف الأموال في قتال الأعداء، وبذلها فيما يقوى به المسلمون على عدوهم، والإخبار عن ترك فعل ذلك بأنه هلاك ودمار لمن لزمه واعتاده) أ هـ.
قال عبد الرحمن السعدي رحمه الله: (وأعظم ذلك وأول ما دخل في ذلك الإنفاق في الجهاد في سبيل الله، فإن النفقة فيه جهاد بالمال، وهو فرض كالجهاد بالبدن، وفيها من المصالح العظيمة الإعانة على تقوية المسلمين، وعلى توهية الشرك وأهله، وعلى إقامة دين الله وإعزازه، فالجهاد في سبيل الله لا يقوم إلا على ساق النفقة، فالنفقة له كالروح لا يمكن وجوده بدونها، وفي ترك الإنفاق في سبيل الله إبطال للجهاد، وتسليط للأعداء، وشدة تكالبهم) أ. هـ.
أما من يتخلف عن جهاد النفس أو المال مع القدرة عليها؛ فهؤلاء قوم مطبوع على قلوبهم لنفاقهم، وهذا لعدم جهادهم بأموالهم وأنفسهم مع أنهم ربما يدعّون أنهم من أهل الفقه والعلم، وربما يتهمون أهل الجهاد بأنهم جهلة وسفهاء وشباب متحمسون، وهم في حقيقة الأمر منبطحون ومتعايشون ومسالمون للأعداء، وموالون للطواغيت لا يفتون إلا بحسب رغبتهم فجعلوا علمهم ومنابرهم لسياسة أسيادهم فقبّح الله عالمًا جعل علمه لخدمة عبيد عبّاد الصليب، وقد حَكَمَ الله على من اتصف بهذه الصفات، وهو أحكم الحاكمين، بأن هؤلاء هم الذين لا يعلمون ولا يفقهون قال تعالى: {رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ} ، وقال تعالى: {إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَاذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ} .
فماذا حصل لهؤلاء القاعدين؟! إلا الطبع على القلوب، ونفي العلم والفقه، ووصفهم بأنهم تشبهوا بالنساء، فأي علم أو فقه عند من يكون مثل النساء في القعود، فلا عليه إلا أن يخمّر وجهه، ويُنَشَّأُ في الحلية، ويتجمّل بالحنّاء في يديه فلو فقهوا حقيقة الفقه والعلم؛ لم يرضوا لأنفسهم أن تنزل عن منازل الرجال إلى منازل النساء:
أفي السلم أعيارٌ جفاءً وغلظةً ... وفي الحرب أشباه النساء العوارك
بل يتبجحون بتخلفهم، ويفرحون بمقعدهم وعدم جهادهم بالنفس والمال قال تعالى: {فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} ، فإذا كانوا لم يقبلوا جهاد الرسول صلى الله عليه وسلم، وأحبوا القعود وفرحوا بذلك، فكيف تريدون هؤلاء أن يناصروا جهادكم، فيا محبي الجهاد؛ قوموا بالجهاد بأنفسكم إن استطعتم، فإن لم تستطيعوا فلا تنسوا جهادكم بالمال , ولا يغرنكم هؤلاء القاعدون وتلبيسهم , فإن دينكم يؤخذ بالوحي لابزخرف القول.
جاء في الصحيحين من حديث زيد بن خالد الجهني - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"من جهز غازيًا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازيًا في سبيل الله بخير فقد غزا"قال البخاري: (باب فضل من جهز غازيًا أو خلفه بخير) ، فو الله إنه لفضل عظيم أن تنال أجر الغزاة بشيء من المال؛ أو تؤويهم وتخلف الغزاة في أهليهم وذراريهم.
فالله الله يا عباد الله؛ جهزوا الغزاة وآووهم وناصروهم، وأمدوهم بالمال والسلاح والعدة والعتاد، وهذا هو عقد الموالاة والمحبة بين المؤمنين، قال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} وبيّن أن ذلك من أعظم أسباب مغفرة الذنوب ودخول جنة عدن الذي فيه الفوز العظيم، وليس هناك تجارة أعظم ربحًا من ذلك فقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيم تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ