وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم، فهنا قدم جهاد المال على جهاد النفس؛ لأنه عصب الحرب ومدد الجيش، فبالمال يشترى السلاح وبالمال يجهز الجيش، لأن قوام جهاد النفس بجهاد المال، والتجارة في ذلك ربحها مضمون، ومن الذي نادى إليها؟ من هو أرحم من الوالدة بولدها. وبيّن أن الدرهم تنفقه في سبيل الله عن سبعمائة، والله يضاعف لمن يشاء، قال تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} وهذا يدل على أنه خاص بالنفقة في الجهاد وعلى المجاهدين، قال مكحول عند هذه الآية: (يعني به الإنفاق في الجهاد من رباط الخيل وإعداد السلاح وغير ذلك، وهذا الذي قال فيه قوة والله أعلم) .
أخرج مسلم عن أبي مسعود الأنصاري - رضي الله عنه - قال: جاء رجل بناقة مخطومة فقال: هذه في سبيل الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لك بها يوم القيامة، سبعمائة ناقة، كلها مخطومة"نسأل الله لنا ولكم من فضله وأن لا يحرمنا، فإن المحروم من حرم نفسه هذا الخير ولا يضر إلا نفسه، لأن الله سبحانه لا يتعاظمه شيء ولا ينقصه عطاء، بل من أنفق نفقة في سبيل الله لا يريد إلا وجهه؛ فإن الله يبشرهم بأنه ليس عليهم خوف ولا حزن في الدنيا من تخويف الطواغيت وتهديدهم لتجميد أرصدتهم أو بسجنهم أو غير ذلك، فيا أهل الأموال إن من أعظم سلامة دينكم ودنياكم وسبب سعادتكم في الدنيا والآخرة؛ هو إنفاق أموالكم في الجهاد، فبادروا بإخراجها قال تعالى: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} .
فالمتصدق المنفق من أشرح الناس صدرًا، وأطيبهم نفسًا، وأنعمهم قلبًا، وأحسنهم خلقًا، فإن للصدقة والإنفاق تأثيرًا عجيبًا في ذهاب همه وغمه، وأما البخيل الممسك فإنه أضيق الناس صدرًا، وأنكدهم عيشًا، وأكسفهم بالًا، وأتعبهم قلبًا، فكم عذب بسببه، وسجن قلبه في عبوديته له، فما أعظم همه وغمه، في الصحيحين من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"مثل البخيل والمتصدق؛ مثل رجلين عليهما جُنّتان من حديد، إذا همّ المتصدق بصدقة اتسعت عليه، حتى تُعفي أثره، وإذا همّ البخيل بصدقة تقلصت عليه، وانضمت يداه إلى تراقيه، وانقبضت كل حلقة إلى صاحبتها"قال: فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"فيجهد أن يوسعها فلا يستطيع".
واعلم أيها المسلم أن ما تنفق مخلوفٌ في الدنيا والآخرة، أما في الآخرة؛ فلقوله تعالى: {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ} وما يحصل من مضاعفة ذلك كما تقدم، وأما في الدنيا فكما قال تعالى: {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} ، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا"ولهما عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال الله عز وجل:"أنفق؛ أُنفق عليك"، وقال:"يد الله ملأى لا يغيضها نفقة، سحّاء الليل والنهار"قال:"أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماء والأرض؛ فإنه لم يغض ما في يده وكان عرشه على الماء وبيده الميزان يخفض ويرفع".
واعلم أيها المسلم؛ أن قدوتك وأسوتك في ذلك هو نبيك صلى الله عليه وسلم، فلتكن سيرتك سيرته، وهديك هديه. قال ابن القيم رحمه الله: (كان صلى الله عليه وسلم أعظمَ الناس صدقةً بما ملكت يدُه، وكان لا يستكثِر شيئًا أعطاه للَّهِ تعالى، ولا يستقِلُّه، وكان لا يسألُه أحدٌ شيئًا عنده إلا أعطاه، قليلًا كان أو كثيرًا، وكان عطاؤه عطاء مَنْ لا يخافُ الفقر، وكان العطاءُ والصدقةُ أحبَّ شيء إليه، وكان سُرورُه