وفرحُه بما يعطيه أعظمَ من سرور الآخِذِ بما يأخذه، وكان أجودَ الناس بالخير، يمينه كالرِّيح المرسلة، وكان إذا عرض له مُحتاج، آثره على نفسه، تارةً بطعامه، وتارةً بلباسه).
وكان يُنوِّع في أصناف عطائه وصدقته، فتارةً بالهبة، وتارةً بالصدقة، وتارةً بالهدية، وتارةً بشراءِ الشيء ثم يُعطي البائع الثمن والسِّلعة جميعًا، كما فعل ببعير جابر وتارة كان يقترض الشيء، فيرد أكثر منه، وأفضل وأكبر، ويشترى الشيء، فيعطي أكثر من ثمنه، ويقبل الهديَّة و يُكافئ عليها بأكثر منها أو بأضعافها، تلطُّفًا وتنوُّعًا في ضروب الصدقة والإحسان بكل ممكن، وكانت صدقُته وإحسانُه بما يملكُه، وبحاله، وبقوله، فيُخْرِجُ ما عنده، ويأمُرُ بالصدقة، ويحضُّ عليها، ويدعو إليها بحاله وقوله، فإذا رآه البخيلُ الشحيح، دعاه حالُه إلى البذل والعطاء، وكان مَنْ خالطَه وصَحِبه، ورأى هَدْيَه لا يملِكُ نفسه من السماحة والنَّدى) أ. هـ. عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لو كان لي مثل أحد ذهبًا، لسرَّني أن لا تمر علي ثلاث ليال وعندي منه شيءٌ إلا شيئًا أرصده لدين"متفق عليه، قال عمرو بن الحارث يصف رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موته درهمًا ولا دينارًا ولا عبدًا ولا أمة ولا شيئًا إلا بغلته البيضاء التي كان يركبها وسلاحه وأرضًا جعلها لابن السبيل صدقة"رواه البخاري.
إذًا أنفق ولا تخش من القلة أيًا كانت هذه النفقة، فابذل الوسع ولوكان قليلًا، فإن مما يغيظ عدوك إنفاقك في سبيل الله لإعلاء كلمة الله، قال تعالى: {وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} فلا تحقر شيئًا تنفقه في سبيل الله، ففي الصحيحين عن عديّ بن حاتم - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"اتقوا النار ولو بشق تمرة".
وإن من ينفق على المجاهدين في حال ضعفهم، أعظم أجرًا ممن ينفق عليهم في حال قوتهم، وتأييد الناس لهم، قال تعالى: {وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} وكذلك ليُعلم بأن أهل الإيمان لا يعتذرون عن الجهاد بالأموال والأنفس مهما بلغت الحال، بخلاف الخوالف فربما يتعذر أحدهم بالخوف أو عدم الاستطاعة أو مما هو ليس عذرًا، قال تعالى في وصف المؤمنين: {لا يَسْتَاذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ} وهذا حال المؤمنين الصادقين قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} .
فيا أهل الجهاد أنفقوا أموالكم في سبيل الله ولا تنظروا لتهديدات شياطين الإنس والجن وتخويفهم، قال تعالى: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} ، ولربما يخوفك بأنك إذا أنفقت ستكون فقيرًا، فلا تنظر لما يعدك به من الفقر قال تعالى: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَامُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} فمن تجيب، أتجيب داعي الشيطان؛ لتكون معه قال تعالى: {إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} ، أما علمت بأن أعداءك ينفقون أموالًا عظيمةً لقتالك، وصدك عن دينك، ونشر الفساد في الأرض، فانظر كيف ينفقونها وهم يعلمون بأنهم صادرون إلى النار، وأنت أيها المسلم تبخل أن تجاهد بمالك نُصرة لدينك ودفاعًا عن نفسك ومالك وعرضك قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ} ، أم تجيب داعي الله الذي وعدك إذا أنفقت بمغفرةٍ منهُ وفضل، وأخبر أنه واسع عليم، واسع العطاء عظيم الإحسان إذًا ها أنت الآن تدعى للجهاد بالمال والنفقة في سبيل الله، وتجهيز الغزاة، فهل تستجيب؟ أم تبخل، فيرجع بخلك على نفسك والله الغني وأنتم الفقراء قال تعالى: هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ