الصفحة 62 من 88

وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ، واعلم أن من يبخل بماله فسيُعذب به في الدنيا والآخرة، كما هو حال المنافقين قال تعالى: {وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ} .

لئن كانت الأرزاق قسمًا مقدرًا ... فقلة حرص المرء في الرزق أجملُ

وإن كانت الأموال للترك جمعها ... فما بال متروك به المرء يبخلُ

وإن كانت الدنيا تُعدُّ نفيسة ... فقدر ثواب الله أعلى وأنبلُ

وإن كانت الأبدان للموت أُنشِئتْ ... فقتل امرئ في الله بالسيف أجملُ

إذا علم ذلك؛ فهل يُغبط الممسك للمال غير المنفق له؟ بل هذا سببُ تعاسته وشقاوته، قال صلى الله عليه وسلم:"تعس عبدالدينار و عبد الدرهم وعبد الخميصة، إن أعطي رضي وإن لم يُعطَ سَخِط، تعِس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش .."رواه البخاري عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، بل يعذب ويُمَثَّلُ له شجاع أقرع ويطوّقون ذلك في أعناقهم، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من آتاه الله مالًا فلم يُؤدِّ زكاته، مُثِّل له يوم القيامة شجاع أقرع له زبيبتان، يُطَوّقُهُ يوم القيامة، ثم يأخذ بِلِهْزِمَتَيْهِ - يعني شدقيه - ثم يقول: أنا مالك، أنا كنزك، ثم تلا هذه الآية: {وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} رواه البخاري، وهكذا كل من قدم شيئًا على طاعة الله عُذب بِهِ قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لانْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ} ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة، صفحت له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جَنْبُهُ وجَبِيْنُهُ وظَهْرُهُ، كُلَّما رُدّتْ أُعيدت له، في يوم كان مقداره ألف سنة حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله، إما إلى الجنة وإما إلى النار"، رواه مسلم، وأخرج أبو موسى المديني بإسناده في الترغيب والترهيب قال: دخلت امراةٌ على عائشة قد شُلَّت يدُها فقالت: يا أم المؤمنين، بتُّ البارحة صحيحة اليد فأصبحت شلاَّء! قالت عائشة: وما ذاك؟ قالت: كان لي أبوان موسِران، كان أبي يعطي الزكاة ويقري الضيف ويعطي السائل ولا يحقر من الخير شيئًا إلاّ فعله، وكانت أمي امرأة بخيلة ممسكة، لا تصنع في مالها خيرًا، فمات أبي ثم ماتت أمي بعده بشهرين فرأيت البارحة في منامي أبي وعليه ثوبان أصفران، بين يديه نهرٌ جارٍ، قالت: يا أبه ما هذا؟ قال: يا بنيه، من يعمل في هذه الدنيا خيرًا يره، هذا أعطانيه الله تعالى. قالت فما فعلت أمي؟ قال: وقد ماتت أمك؟! قلت: نعم، قال: هيهات؟ عدلت عنّا، فاذهبي فالتمسيها ذات الشمال، فملت عن شمالي، فإذا أنا بأمي قائمة عريانة متزرة بخرقة، بيدها شُحيمة تنادي: والهفاه، واحسرتاه، واعطشاه. فإذا بلغها الجهد دلكت تلك الشُحيمة براحتها ثم لحستها، وإذا بين يديها نهرٌ جارٍ، قلت: يا أماه ما لك تناديت العطش وبين يديك نهرٌ جارٍ؟! قالت: لا أترك أن أشرب منه. قلت: أفلا أسقيك؟ قالت: وددت أنك فعلت، فغرفت لها غرفة فسقيتها، فلمَّا شربت نادى منادٍ من ذات اليمين: ألا من سقى هذه المرأة شُلَّت يمينه مرتين، فأصبحتُ شلاَّء اليمين، لا أستطيع ان أعمل بيميني. قالت لها عائشة: وعَرَفْتِ الخرقة؟ قالت: نعم يا أمَّ المؤمنين، وهي التي رأيتها عليها، ما رأيت أمي تصدَّقت بشيءٍ قط، إلا أن أبي نحر ذات يومٍ ثورًا، فجاء سائل فعمدت أمي"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت