الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركو بي مالم أنزل به سلطانًا، وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب"ثم بعث الله محمدًا - صلى الله عليه وسلم - بالحنيفية المحضة والتوحيد الخالص دين إبراهيم عليه السلام وأمره أن يدعو الخلق كلهم إلى توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له فكان يدعو إلى ذلك ثلاث سنين ولم يستجب له إلا الواحد بعد الواحد من كل قبيلة، وكان المستجيب له خائفًا من عشيرته وقبيلته، يؤذى غاية الأذى، ثم أمر بإعلان الدعوة وإظهارها وقيل له: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} وكان المسلمون إذ ذاك مستضعفين يطردون ويشردون كل مشرد، و يهربون بدينهم كما هاجرو إلى الحبشة وكان منهم من يعذب في الله وفيهم من قتل وأما النبي - صلى الله عليه وسلم - لما جهر بالدعوة، وذم آلهتهم التي تعبد من دون الله وذم من عبدها وأخبر أنه من أهل النار ثار المشركون واجتهدوا في إيصال الأذى إليه وإلى أتباعه، ولذا قال - صلى الله عليه وسلم:"لقد أُخفت في الله وما يخاف أحد، ولقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، ولقد أتت عليّ ثلاثون من بين يوم وليلة ومالي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلا شيء يواريه إبط بلال"رواه أحمد والترمذي وصححه من حديث أنس، بل كان يعرض نفسه في المواسم ويقول:"من يمنعني حتى أبلغ رسالات ربي؟ فإن قريشًا منعوني أن أبلغ رسالات ربي"وكان من أشد ما لقي بأبي وأمي - صلى الله عليه وسلم - منهم يوم العقبة، إذ عرض نفسه على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبه إلى ما أراد، وأخرج البخاري عن عروة بن الزبير قال: سألت عبد الله بن عمرو عن أشد ما صنع المشركون برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: رأيت عقبة بن أبي معيط، جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي، فوضع رداءه في عنقه فخنقه به خنقًا شديدًا فجاء أبو بكر حتى دفعه عنه، قال:"أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم"واستمر في دعوتهم وهم استمروا في إيذائه، قال تعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} وجاء في الصحيحين عن عائشة في قصة بدء الوحي لما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ورقة بن نوفل خبر ما رأى فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزل الله على موسى ليتني فيها جذع، ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"أو مخرجي هم"قال: (نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا) ، وكان كلما آذاه الأعداء إذا دعاهم إلى مولاهم رجع إلى مولاه فتسلى بعلمه وقربه منه، واشتغل بمناجاته وذكره ودعائه فنسي كل ما أصابه من الألم من أجله، ما مقصود النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا أن يعبد الله وحده لا شريك له وما يبالي ما أصابه في الدعوة، إذا وحّد معبوده حصل مقصودُه، إذا عبد محبوبه حصل مطلوبُه، إذا ذكر ربه رضي قلبه , وأما جسمه فلا يبالي ما أصابه في سبيل الله ما يؤلمه أو ما يلائمه، استمر على ذلك ثلاثة عشر سنة ثم أمر بعد ذلك بالهجرة إلى المدينة وأمر بالقتال أخرج أحمد والنسائي والترمذي عن ابن عباس قال لما أُخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - من مكة قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم، إنا لله وإنا لله وإنا إليه راجعون، ليهلكن، فنزلت: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} فعرفت أنه سيكون قتال، قال ابن عباس: (فهي أول آية نزلت في القتال) فظهر الإسلام بعدما أذن بالقتال وعز، وصار أهله ظاهرين كل الظهور، ودخل الناس في دين الله أفواجًا بعد فتح مكة وأظهر الله لهم الدين وأتم عليهم النعمة، وعن الحسن قال: (لما فتح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة قالت العرب: أما إذ ظفر محمد بأهل مكة، وقد أجارهم الله من أصحاب الفيل فليس لكم به يدان فدخلوا في دين الله أفواجًا) وهل يظهر الإسلام ويعز أهله إلا برفع راية الجهاد وبعد الفتح أقبلت الوفود في الدخول في الإسلام وسمي عام الوفود وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - حينما كان في مكة في أول الإسلام لم يجد من يؤويه، بل رموه عن قوس واحدة فحينما سل السيف وأزال الرؤوس عن الأجساد دخل الناس في دين الله طوعًا أو كرهًا فعن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لرجل:"أسلم"قال: أجدني كارهاَ قال:"أسلم وإن كنت كارهاَ"رواه أحمد بسند صحيح، وقال لعدي بن حاتم:"أسلم تسلم""