الصفحة 18 من 88

كما عند أحمد، وروى البخاري عن عمرو بن سَلِمة قال: (كانت العرب تَلوَّمُ بإسلامهم الفتح، فيقولون: اتركوه وقومه، فإنه إن يظهر عليهم فهو نبيٌ صادق، فلما كانت وقعة أهل الفتح، بادر كلُّ قوم بإسلامهم، وبدر أبي قومي بإسلامهم، فلما قدم قال: جئتكم والله من عند النبي - صلى الله عليه وسلم - حقًا) التَلوُّم هو الانتظار و التلّبث، قال ابن عبد البر: لم يمت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي العرب رجل كافر بل دخل الكل في الإسلام بعد حنين والطائف، منهم من قدم ومنهم من قدم وفده. اهـ فكل من نصر دين الله ورفع راية الجهاد اتسعت رقعة الإسلام على يديه ودخل الناس في دين الله أفواجًا، قال تعالى: (إن ينصركم الله فلا غالب لكم) أما ما عليه المثبطون المخذولون بأن الجهاد سبب تراجعٍ للدعوة وإغلاق المؤسسات الدعوية وضيق على الناس وسجن الكثير من طلبة العلم والدعاة وكثرة نقاط التفتيش وإلى غير ذلك من الأمور التي فيها معاناة فهذا لابد منه فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن معه حصل لهم من الشدة بعد غزوة بدر أشد مما كان قبل فمن ذلك لم يستطع أحد منهم الذهاب للعمرة و الطواف بالبيت بل ذهبت أنفس ولم تؤمّن الطرق وأوذي المسلمون في مكة وزيد في تعذيبهم وضاقت المعيشة ورمتهم العرب عن قوس واحدة وتكالبوا عليهم يوم الأحزاب، وفي الصحيحين عن حذيفة - رضي الله عنه - قال: (قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"اكتبوا لي من تلفظ بالإسلام من الناس"فكتبنا له ألفًا وخمسمائة رجل، فقلنا: نخاف ونحن ألف و خمسمائة، فلقد رأيتنا ابتلينا، حتى إن الرجل ليصلي وحده وهو خائف) هذا لفظ البخاري.

وهذا طريق الرسل وأتباعهم قال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَاتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَاسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} روى البخاري عن خباب بن الأرت قال: شكونا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو متوسد بردةً له في ظل الكعبة فقلنا: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو لنا؟ فقال:"كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل نصفين ويمشط بأمشاطٍ من حديد مادون لحمه وعظمه، فما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون"إذًا لا خيار لك إلا بالقيام بالجهاد، قال تعالى: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} وبهذا تعود للأمة كرامتها وعزها وهذا أمر معروف حتى عند الأعداء، قال هرقل لما سأل أبو سفيان: هل قاتلتموه؟ قال: نعم قال: كيف كانت الحرب بينكم؟ قال: سجالًا، يدال علينا المرة وندال عليه الأخرى، قال: وكذلك الرسل تبتلى وتكون لها العاقبة، قال ابن القيم في الفوائد: يا مخنث العزم أين أنت والطريق طريق تعب فيه آدم، وناح لأجله نوح، ورمي في النار الخليل، وأضجع للذبح إسماعيل، وبيع يوسف بثمن بخس، ولبث في السجن بضع سنين، ونشر بالمنشار زكريا، وذبح السيد الحصور يحيى، وقاسى الضرب أيوب، وسار مع الوحش عيسى، وعالج أنواع الفقر والأذى محمد صلى الله عليه وسلم.

فيا أهل الجهاد عليكم بالاستنصار بربكم فهو حقيقة التوكل والامتناع به، والاحتماء به وسؤاله أن يحمي العبد ويمنعه، وينصره ويدفع عنه، والله يدافع عن الذين آمنوا فيدفع عن العبد المؤمن إذا استنصر به كل سبب يفضي به إلى العطب، ويحميه منه، وينصره على عدوه، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} واعلم أن العاقبة للرسل وأتباعهم في الدنيا والآخرة قال تعالى: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} وقد أوجب الله على نفسه تكرمًا وتفضلًا بنصر المؤمنين، قال تعالى: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} وليعلم المؤمن أنه ليس هناك نصر إلا من عند الله ليس بالقوة ولا بالكثرة فكم من فئة قليلة تغلبت وانتصرت على أكبر قوة بإذن الله وشاهد ذلك ما نسمع ونرى وما النصر إلا من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت