الصفحة 46 من 88

فدعوة التوحيد التي عليها منهاج النبوة من أعظم ما يغيظ أعداء الله وكذلك سائر العبادات ولذا(قالت قريش لابن الدَّغِنَة لما أجار أبا بكرٍ مر أبا بكر فليعبد ربه في داره، فليصل فيها وليقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك ولا يستعلن به، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا.

فقال ذلك ابن الدَّغِنَة لأبي بكر، فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربه في داره ولا يستعلن بصلاته ولايقرأ في غير داره، ثم بدا لأبي بكر، فابتنى مسجدًا بفناء داره، وكان يصلي فيه، ويقرأ القرآن، فيتقذف عليه نساء المشركين وأبناؤهم، وهم يعجبون منه وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلًا بكاءً، لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن، وأفزع ذلك أشراف قريش المشركين)رواه البخاري.

وهكذا لما أعلن أبو ذر إسلامه أغاظ الأعداء، عن ابن عباس أن أبا ذر لما أسلم قال له النبي - صلى الله عليه وسلم -"ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري"فقال: والذي نفسي بيده! لأَصْرُخَنَّ بها بين ظهرانيهم، فخرج حتى أتى المسجد، فنادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ثم قام القوم فضربوه حتى أوجعوه، وأتى العباس فأكب عليه قال: ويلكم! ألستم تعلمون أنه من غفار، وأن طريق تجاركم إلى الشام؟ فأنقذه منهم، ثم عاد من الغد لمثلها، فضربوه وثاروا إليه، فأكب العباس عليه) متفق عليه

ومما يغيظ أعداء الله التقرب إلى الله بكثرة السجود فإن السجود قربة إلى الله كما قال تعالى: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد لأن السجود لله من أعظم العبادات ومن أعظم أسباب دخول الجنات ورفعة الدرجات. عن معدان بن أبي طلحة اليعمري قال: لقيت ثوبان مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

فقلت: أخبرني بعمل أعمله يدخلني الله به الجنة، أو قال: قلت بأحب الأعمال إلى الله، فسكت، ثم سألته فسكت، ثم سألته الثالثة فقال: سألت عن ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.فقال:"عليك بكثرة السجود لله، فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجةً، وحطَّ عنك بها خطيئة"قال معدان: ثم لقيت أبا الدرداء فسألته. فقال لي مثل ما قال لي ثوبان. وعن ربيعة ابن كعب الأسلمي قال: كنت أبيت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فآتيته بوضوئه وحاجته، فقال لي:"سلْ"فقلت: أسالك مرافقتك في الجنة. قال:"أَوْغَيْرَ ذلك؟"قلت: هو ذاك قال:"فَأَعِنِّي على نفسك بكثرة السجود"رواهما مسلم.

فالسجود من أعظم ما يغيظ العدو الجني والإنسي عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: قرأ النبي - صلى الله عليه وسلم - النجم فسجد، فما بقي أحد إلا سجد، إلا رجل رأيته أخذ كفًَّا من حصى فرفعه فسجد عليه وقال:"هذا يكفيني، فلقد رأيته بعدُ قُتِل كافرًا بالله"متفق عليه. وروى مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد، اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويله! أمر ابن آدم بالسجود، فسجد، فله الجَنَّةُ، وأمرت بالسجود، فأبيت، فلي النار". وهكذا يرغم عدو الله من سجود السهو روى مسلم عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدْرِ كم صلى؟ ثلاثًا أم أربعًا؟ فليطرح الشك وليبن على ما استيقن، ثم يسجدُ سجدتين قبل أن يسلم. فإن كان صلى خمسًا، شفعن له صلاته، وأن كان صلى إتمامًا لأربع، كانتا ترغيمًا للشيطان"فهم أي الكفرة أهل حنق وحسد وبغض وعدواة لأهل الإسلام، كما قال تعالى {وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} وهذا أشد الغيظ والعداوة وهذا يظهر من فلتات ألسنتهم وصفحات وجوههم مع ما تحمل صدورهم من البغضاء لكم، ولذا ما يصيب أهل الإسلام من العزة والرفعة وفي كل حال حسنة إلا ويسوؤهم {إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا} وقال تعالى: مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت