أن ثمة علاقة وثيقة بين جريمتي الربا والزنى، وأن الربا أشد جرما من الزنا؛ فما هو السر في ذلك يا ترى؟!
إن الذي يظهر لي ـ والعلم عند الله تعالى ـ أن من أهم أسباب انتشار الزنى في الأمم تعامل أفرادها بالربا، ودرهم الربا ضرره على الأمة كلها، أما الزنا فضرره مقصور على الزاني والزانية وأسرتهما وولدها، ولا يتعدى ذلك في الغالب إذا لم يكن ثمة مجاهرة به، وإقرار له [1] .
إن الطبقية التي يصنعها الربا بين أبناء الأمة الواحدة، والفجوة بين الفقراء والأغنياء التي تزداد اتساعا وانتشارا كلما تعامل الناس بالربا تجعل الفقير كلما اقترض تضاعفت ديونه، وازداد فقره، واشتد جوعه؛ حتى يضعف الفقر والجوع والحاجة غيرته على عرضه، فلا يأبه إن زنت محارمه إذا كان من وراء ذلك عائد مالي يقلل فقره، ويشبع بطنه. وما زنت الزانية المحتاجة أول
(1) هذا إذا لم ينتشر الزنى في المجتمع، والغالب أنه لا يخلو مجتمع كبير من حالات زنا، وقد وقع ذلك في الزمن الأول من الإسلام وهو أفضل العصور. ورجم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ماعزا والغامدية ـ رضي الله عنهما ـ ولاعن هلال بن أمية زوجته ـ رضي الله عنهما ـ ولعل السبب في ذلك أن الزنى تدفع إليه غريزة قد يضعف العبد حيالها في وقت من الأوقات، وتحجب عقله فيقع المحظور. بخلاف الربا فإنه يتعلق بغريزة حب المال وهي أقل تمكنا من غريزة الشهوة الفطرية. ولذلك لم تقع حالات ربا في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - ـ فيما أعلم ـ بعد ورود النهي عنه رغم أنه كان من معاملاتهم المشهورة في الجاهلية.