أثر السياسة النقدية على النمو الاقتصادي في الجزائر
خلال الفترة '' 1990 - 2006 ''
من إعداد: أ. لحول عبد القادر
كلية العلوم الاقتصادية التجارية والتسيير- جامعة سعيدة
إن التطورات المستمرة التي شهدها العالم في النصف الأخير من القرن الماضي، وخصوصا عندما يتعلق الأمر بظهور الأزمات المالية والاقتصادية العالمية وتفاقم بعض المشكلات الاقتصادية على غرار التضخم والبطالة وتزايد حجم المديونية الخارجية وخدمة الدين العام والعجز الموازني واختلال وضعية ميزان المدفوعات لمختلف الدول وحدوث الكساد للاقتصاد العالمي ... إلخ. كل تلك الاختلالات أثّرت على المتغيرات والمؤشرات الاقتصادية الكلية وأدّت إلى اختلاف الأفكار و تباين السياسات النقدية، هذا ما نتج عنه بزوغ مظهر جديد للسياسة النقدية، وقد كان لهذا المظهر أثر كبير على إبراز تزايد أهمية السياسة النقدية وكذلك قدرة السلطات النقدية للتأثير على معدل النمو المطلوب، ولا سيما أن الدولة لها من قوة نقدية وسلطة قانونية تمكنها من إصدار العديد من التشريعات والقرارات التي من شأنها تحديد المظاهر النقدية للاقتصاد الوطني، سواء تعلق الأمر بكمية وسائل النقد المتاحة أو حجم الائتمان الممنوح للوحدات الاقتصادية أو سعر الفائدة السائد على مستوى السوق النقدية.
ونود أن نشير إلى أن هذه القوانين وتلك التشريعات إنما توضع من أجل تمكين السلطات النقدية من توجيه مسار الاقتصاد الكلي الوجهة الكفيلة بتحقيق أهداف الخطة الاقتصادية المتبعة من قبل السلطات العامة للدولة (ضمان التوازنات النقدية الداخلية والخارجية) .
أمام هذا التوجه الجديد أضحى الشغل الشاغل أمام السلطات النقدية للدولة يكمن في السهر على تطبيق سياسة نقدية أكثر فاعلية وتأثيرا على المتغيرات الاقتصادية، فلم تعد السياسة النقدية مجرد ضمان لتحقيق مزايا التشريعات النقدية، على العكس أصبحت مسئولة مسؤولية مباشرة عن تحقيق التوازن والاستقرار النقدي، مما جعلها تمارس كل الإجراءات التي تمكنها من تحقيق أهدافها، بحيث أصبحت تمثل إحدى مظاهر السلطة الاقتصادية العامة.
من هذا المنطلق سعت السلطات العامة في الجزائر منذ حصولها على السيادة الوطنية بعد الاستقلال مباشرة إلى بناء اقتصاد مستقل قائم بذاته منفصل تماما عن تبعيته للنظام الاقتصادي الفرنسي، إذ سارعت إلى إعادة تأميم واسترجاع المؤسسات الجزائرية ذات الملكية العامة، فأعلنت عن إنشاء البنك المركزي الجزائري في ديسمبر 1962 و إنشاء عملة وطنية سنة 1964 تحت اسم ''الدينار الجزائري''، ثم حاولت الجزائر تطبيق العديد من القوانين والمخططات الاقتصادية بهدف تحقيق التنمية الاقتصادية وزيادة معدلات النمو الاقتصادي.
وعلى الرغم من انتهاج تلك البرامج والمخططات الاقتصادية إلا أن الجزائر تخبطت خلال فترة السبعينات والثمانينات في عدة مشاكل وأزمات مسّت مختلف المجالات، جراء تراكم وتعقد عدة مشاكل عندما كانت تعتمد نهج الاقتصاد المركزي حتى نهاية الثمانينات، منها المديونية الخارجية وسوء استعمال طاقات الجهاز الإنتاجي الوطني بالشكل العادي واستمرار العجز الموازني في ميزانية الدولة، بالإضافة للطابع الإداري التعسفي المعتمد في التمويل. هذا ما دفع السلطات العامة إلى الاتجاه نحو تبني نظام اقتصاد السوق مجبرة على معالجة هذه المشاكل عن طريق إجراء إصلاحات اقتصادية جذرية أهمها: استقلالية المؤسسات العمومية وإعادة هيكلتها الصناعية من خلال تبني نظام الخوصصة والمشاركة الأجنبية كنمط جديد للتسيير، تراجع دور الدولة في الحياة الاقتصادية،