الصفحة 15 من 23

لقد عرف الاقتصاد الجزائري مرحلة انتقالية من الاقتصاد الاشتراكي الموجه نحو اقتصاد ليبرالي يقوم على أسس ومبادئ اقتصاد السوق، وذلك بعد أزمة سنة 1986 م التي بيّنت بوضوح هشاشة الهيكل الاقتصادي في الجزائر، الأمر الذي تطلب في بداية الأمر القيام بإصلاحات ذاتية من دون اللجوء إلى أطراف أجنبية كمؤسسات النقد الدولية مثلا، ولكن هذا الاعتماد الذاتي قد نتج عنه تفاقم الأوضاع النقدية والاقتصادية وحتى الاجتماعية، وتجلى ذلك في ارتفاع معدلات التضخم ومستويات البطالة، ارتفاع حجم المديونية الخارجية وثقل خدمة الدين بالمقابل، ارتفاع عجز الميزانية العامة للدولة، انخفاض قيمة العملة الوطنية، انخفاض معدلات النمو الاقتصادي.

ومن أجل الخروج من تلك الحلقة ومحاولة تصحيح الاختلالات الهيكلية التي عصفت بالاقتصاد الوطني، وذلك من أجل ضمان نوع من الاستقرار الاقتصادي والمحافظة على التوازنات النقدية الداخلية و الخارجية، سعت السلطات العامة في الجزائر إلى إعادة تقييم شامل لدور السياسات الاقتصادية المعتمدة في بناء ورسم مستقبل للاقتصاد الوطني، وذلك عن طريق تفعيل وسائل تلك السياسة الاقتصادية العامة وتحديد أهدافها النهائية بدقة وبأولوية مسبقة التحديد، بعيدا عن أي خلفيات أو مصالح، وفتح المجال الواسع أمام السلطات النقدية لاتخاذ القرارات المثلى وفي الفترات المناسبة لذلك.

من هنا كان لزاما على الدولة إعادة تنظيم هيكل وعمل النظام المصرفي ككل من خلال وضع أسس مضبوطة وقواعد منصوصة قانونيا وتطبيق الإجراءات بصرامة تامة فيما يخص التدابير العقابية، من أجل إعطاء السلطات النقدية في البلاد الحرية في رسم السياسة النقدية والتحكم في حجم الائتمان وتوجيهه المسار الأمثل بين مختلف القطاعات من دون مفارقة أو تفضيل.

1.مسار السياسة النقدية في الجزائر: إن المرحلة الانتقالية التي عرفها الاقتصاد الجزائري من خلال تبني نظام اقتصاد السوق كان لها أثر كبير على تطور الأوضاع والمؤشرات النقدية الداخلية، من خلال فرض صندوق النقد الدولي عدة إجراءات صارمة في مقدمتها إعادة تقييم لقيمة الدينار الجزائري بتخفيضه بمعدلات كبيرة، ضف إلى ذلك تحول تطبيق البنك المركزي لأدوات السياسة النقدية من شكلها المباشر إلى استخدام الأدوات غير المباشرة في إدارة الائتمان وتوجيهه، وكلها إجراءات وتدابير تدفعنا للتساؤل عن مدى تغير طبيعة تطبيق السياسة النقدية شكلا و مضمونا بعد تغير التوجه الاقتصادي.

أ. خصائص السياسة النقدية قبل سنة 1990: قبل صدور قانون النقد والقرض 90/ 10 كان القطاع المالي الجزائري صغيرا ومجزئا، إذ عمل في واقع الأمر كأداة مالية لاستثمارات القطاع العام بينما لم تكن الأسواق المالية موجودة على الإطلاق، ولم تكن البنوك التجارية تمارس أي نشاط تجاري، بل كانت تجمع مدخرات قطاع العائلات وقطاع المؤسسات من خلال شبكة واسعة من الفروع، وتوجه هذه الموارد نحو تمويل الواردات وعمليات المؤسسات العامة. وقد لعبت الخزينة حينها الدور الرئيسي في القطاع المالي إذ احتكرت معظم المدخرات الوطنية من خلال حسابات التوفير البريدية وإصدار السندات الاستثمارية، وقد استخدمت هذه الموارد أساسا لتمويل المشاريع الجديدة في المؤسسات العمومية، التي كانت تعاني على العموم من قصور الرسملة معتمدة على الاقتراض من البنوك لتمويل استثماراتها.

وقد لعب البنك المركزي الجزائري دورا ثانويا، وحددت معدلات الفائدة بقرارات إدارية عند مستويات نتجت عنها أسعار فائدة حقيقية سالبة، مما دفع المديرين نحو الاستثمارات ذات التركيز الرأسمالي العالي. وفي هذه الحالة لم يمارس البنك المركزي أي نشاط ملموس في مجال الرقابة المصرفية ولم تكن وظيفته في إعادة الخصم سوى أداة لتزويد البنوك بالسيولة اللازمة.

هذا ما عجّل بظهور مرحلة جديدة بعد الإصلاح المالي والنقدي لسنة 1970 - 1971 حيث لم تعد النقود كرأس مال فقط وإنما أضحت كوسيلة لتداول الدخول المحصل عليها من ريع البترول (ظاهرة عددية لحساب الكميات الرأسمالية المحصل عليها من جراء التغير النقدي للبترول) . لذلك تفطنت السلطات العامة في نهاية الثمانينات إلى هذا الدور الحيادي والسلبي للنقود وإعطائها مفهوم جديد يتمثل في اعتبار النقود وسيلة لتداول رأس المال والعمل على الرجوع إلى نظام تعبئة الموارد النقدية الوطنية، وكان ذلك محتوى ترتيبات قانون 1986 وإنشاء المجلس الوطني للقرض والنقد، فأصبحت النقود كأداة للقرض والتنمية بين أيدي السلطات العامة النقدية والمالية، وبالتالي ظهر دورها الإيجابي وتأثيرها المباشر على الإنتاج والتوزيع والاستهلاك. أي أنها أصبحت أداة إستراتيجية مهمة لدى المخطّط والسلطات العامة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت