الصفحة 18 من 23

2.مسيرة النمو الاقتصادي في الجزائر: من مرحلة البناء والتخطيط إلى مرحلة الإصلاح والتوجه نحو اقتصاد السوق

لقد حاولت السلطات العامة في الجزائر منذ حصولها على السيادة الوطنية بناء أسس وركائز اقتصاد الجزائر المستقلة، وذلك من خلال إتباع العديد من السياسات الاقتصادية والبرامج والمخططات الاقتصادية ضمنت نوعا ما تشييد قاعدة للاقتصاد الوطني تمثلت في الهياكل القاعدية ومؤسسات الدولة من هيئات رسمية وإدارات عمومية ومؤسسات اقتصادية عامة، والهدف من ذلك هو دعم مشاريع ومخططات التنمية الاقتصادية وتحقيق النمو الاقتصادي ولو بمستويات ضئيلة. لتجد الجزائر نفسها مع بزوغ أزمة 1986 أمام حتمية إصلاح اقتصادي شامل، تجلى في تغيير توجهها الاقتصادي نحو المزيد من الاستقلالية والخوصصة وتقليص دور الدولة في الحياة الاقتصادية وفتح المجال على مسرعيه للاستثمار الأجنبي ... إلخ.

وعلى العموم نجد أن وتيرة أو مسار النمو الاقتصادي في الجزائر - من منظور بعض الاقتصاديين- عقد رف مرحلتين أو فترتين رئيسيتين هما:

أ. مرحلة ما قبل الإصلاح: [1] تخللت هذه المرحلة العديد من الفترات نتيجة اختلاف مسيرة الاقتصاد الوطني، إذ بدأت مرحلة الانتظار، إذ تميزت هذه المرحلة التالية لاستقلال الجزائر بفراغ في النظرية الاقتصادية والنموذج المراد إتباعه، وعلى الرغم من قصر هذه الأخيرة التي تغطي الفترة 1962/ 1966 إلا أنه من بين ايجابياتها أنها مهدت وهيأت الظروف لعملية التخطيط المركزي والتدخل الواسع والمهيمن للدولة، رغم أنها فترة تتسم بضعف المقومات المالية لدولة حديثة الاستقلال، وكذا تدمير للبنية التحتية الضرورية لانطلاق النمو الاقتصادي. [2] لتليها فترة أخرى كان الاعتماد على الانتشار الواسع للدولة في جميع المجالات، بحيث كانت المنتج الوحيد والمستثمر الوحيد في الحياة الاقتصادية من خلال الاعتماد على التخطيط والتسيير المركزي، انتهجت خلالها الجزائر على سياسة نشطة في مجال الاستثمار في القطاع العمومي، واعتبر النمو الاقتصادي كما لو كان إنشاء قاعدة مادية كثيفة، ترتب عن هذا التوجه تطور كبير في إرساء الهياكل القاعدية والبناء التحتي للاقتصاد والذي يعتبر ثمرة هذه المرحلة. [3]

هذه المرحلة الأخيرة التي تمثلت في دعم تمويل القطاع الصناعي مقارنة مع القطاعات الأخرى، في إطار برنامج التصنيع وذلك بالاعتماد على القطاع العمومي ومن ثم المؤسسة الوطنية، وكل ذلك لغرض زيادة مستوى الإنتاج والعمالة وخلق القيمة المضافة. ومنه نجد أن هذه السياسة الاقتصادية قد ترتب عليها أداء اقتصادي لا بأس به، وخاصة في مجال النمو الاقتصادي الذي تراوح ما بين 6 % إلى 7 % في المتوسط السنوي، تبعه انخفاض في معدلات البطالة التي بلغت 18 % سنة 1980، وكذلك قد تحقق هذا النمو بواسطة ارتفاع أسعار النفط ترتب عنها مساهمة هذا القطاع الكبيرة في النمو الاقتصادي. [4] إلا أن هذه السياسات نتج عنها انعكاسات سلبية بسبب وجود سوق داخلية واسعة لو يستطع مستوى الإنتاج الوطني تلبية احتياجاتها في ظل تأخر القطاع الفلاحي عن مسايرة ذلك الطلب المحلي.

إن اعتماد الدولة الجزائرية على أسعار النفط كأساس مرجعي لتمويل مشاريعها التنموية وخاصة القطاع الصناعي بإعطائه الأولوية للاستثمار فيه عن باقي القطاعات الأخرى، جعلها تربط مصير مخططاتها وبرامجها الاقتصادية بسعر النفط على المستوى الدولي، هذا ما نتج عنه صدمة وكارثة اقتصادية خلال النصف الأخير من سنوات الثمانينات بسبب انهيار أسعار النفط وبالتالي حدث أكبر انهيار اقتصادي في الجزائر مؤديا إلى خلل مزدوج في ميزانية الدولة وميزان المدفوعات، غدا الاقتصاد الوطني يعاني من اختلال هيكلي كبير تعثر عن إثره أداء الاقتصاد الجزائري وأصبحت لأول مرة معدلات نمو الاقتصاد تتسم بالسلبية بعد مرحلة هامة من التطور والتوسع، إلا أنها فترة بينت أن الاقتصاد الجزائري كان لا يعدوا كونه اقتصاد قائم على الاستدانة. ولكن منذ ذلك الحين (أزمة 1986) دخل الاقتصاد الوطني إلى مرحلة جديدة عرفت بمرحلة الإصلاح الاقتصادي وإعادة الهيكلة على كافة المستويات.

ب. مرحلة الإصلاح الاقتصادي: في بادئ الأمر حاولت السلطات تعزيز جهودها لتصحيح الأوضاع الاقتصادية الكلية التي عرفت اختلالات كبيرة، وعرفت هذه المرحلة أول اقتراب للجزائر من المؤسسات المالية الدولية، وتم التفاهم حول برنامجين بدعم من صندوق النقد الدولي يغطي الفترة 1989 - 1991 تعتمد من خلالها الجزائر على سياسة لإدارة الطلب أقل ما يقال عنها أنها كانت صارمة من خلال تخفيض قيمة العملة، وتطبيق إجراءات تحرير التجارة وتعديلات على تسعير الصرف الاسمي، زيادة على امتصاص السيولة الزائدة في الاقتصاد ككل. هذه الفترة الأخيرة سميّت مرحلة الإصلاحات المحتشمة.

(1) حاكمي بوحفص و عبد القادر دربال- ''أثر الإصلاحات الاقتصادية على النمو الاقتصادي- دراسة حالة الجزائر''- les cahiers du MECAS- العدد رقم 3 أفريل 2007 - ص 330. ولمزيد من الاطلاع ارجع إلى:

(2) * عبد اللطيف بن أشنهو- ''تجربة التنمية والتخطيط في الجزائر من 1962 إلى 1988''- ص 120.

(3) ** أحمد هني- ''اقتصاد الجزائر المستقلة''- الجزائر- ص 08.

(4) *** المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي- ''مشروع التقرير الوطني حول التنمية البشرية''- 1998 - ص 86.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت