وعلى العموم يمكن أن نرجع سبب الحالة التي آلت إليها النقود خلال الفترة التي تبنت فيها السلطات العامة في الجزائر لنظام اقتصادي اشتراكي انعكس على دور وفعالية السياسة النقدية، وذلك للأسباب التالية: [1]
• تسيير إداري لمعدلات الفائدة المثبتة عند مستويات دنيا.
• تسيير نقدي إداري ليّن يوحي بالخضوع التام للسلطة النقدية إلى السلطة السياسية وأجهزتها.
• عرض نقدي خارجي غير مرتبط بالنشاط الاقتصادي وتابع كليا لرغبة زبائن القطاع العمومي.
• طلب القرض غير مرن لمعدلات الفائدة.
• الدور المهم للبنك المركزي الجزائري في إعادة تمويل البنوك.
• تأطير القروض الذي يشكل الأسلوب المفضل لتنظيم النشاط النقدي للبنوك.
إن السياسة النقدية في الجزائر خلال الفترة الممتدة من سنة 1962 إلى غاية عام 1990 كانت حيادية بسبب الدور السلبي للنقود في الاقتصاد الوطني، إذ لم تتمكن تلك السياسة من تحقيق الأهداف والمهام المنوطة بها والسبب في عدم فعاليتها خلال تلك الفترة يرجع أيضا إلى كون تلك الأخيرة لم تكن تعدوا كونها مفهوم نظري منصوص عليه في القوانين التشريعية بعيدا عن الواقع التطبيقي، ضف إلى ذلك اعتماد البنك المركزي على الأدوات المباشرة في الرقابة والتحكم في الائتمان على مستوى جهاز مصرفي هش بعيد كل البعد عن الدور المنوط به من خلال تحقيق التنمية الاقتصادية في الجزائر. وقد اعتبر البنك المركزي مجرد ملجأ لتمويل عجز الميزانية العامة، إذ كانت الخزينة العمومية هي المكلفة بمهمة إصدار النقد والتحكم في حجم تداوله.
ب. معالم ومسار السياسة النقدية بعد قانون النقد والقرض 90/ 10: إن العنصر الأساسي في انتقال الاقتصاد الجزائري من نظام مخطط إلى اقتصاد السوق هو إنشاء أسواق ومؤسسات مالية تستطيع مساندة هذا التوجه الجديد بتوفير المناخ الملائم للاستثمار، وإن مواجهة صعوبات هذا الانتقال ومشاكله يخلق تحديات إضافية للسياسة النقدية، لذا أوجب خلق الإطار المؤسسي لها ولأدواتها حتى تؤدي مهمتها بكفاءة عالية.
فبعد المشاكل الاقتصادية التي تعرضت لها الجزائر وأدت إلى عدم الاستقرار الاقتصادي، حاولت الدولة سنة 1990 معالجة هذه المشاكل، فاتبعت سياسة نقدية باعتبارها الوسيلة المزدوجة المبذولة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي والاتجاه نحو نظام يستند إلى ميكانيزمات اقتصاد السوق باعتبار أن السياسة النقدية هي إحدى محاور الإصلاحات الاقتصادية وهي إحدى الركائز الأساسية للسياسات الاقتصادية التي تمكنها من مراقبة التضخم وتنظيم سوق الصرف وتحقيق الاستقرار النقدي. [2]
لقد أدخلت تعديلات جذرية على طريقة عمل القطاع المالي في الفترة ما بين 1989 - 1991، لذا كان من الضروري تحويل النظام المالي من مجرد ناقل للأموال من الخزانة نحو المؤسسات العامة، إلى نظام يلعب دورا نشطا في تعبئة الموارد وتخصيصها، وتمثلت العناصر الرئيسية لهذا التحول في التحرك نحو استخدام أدوات السياسة النقدية القائمة على اعتبارات السوق وتحرير أسعار الفائدة، والتحرير التدريجي لمعاملات الحساب الجاري والرأسمالي واعتماد سياسة أكثر مرونة تجاه سعر الصرف.
وقد حدثت نقطة تحول على مستوى المنظومة المصرفية في عام 1990 بصدور قانون النقد والقرض الذي نص على ما يلي:
• منح البنك المركزي استقلالية عن وزارة المالية وتكليفه بتسيير السياسة النقدية، وقد خضع البنك المركزي لعملية إعادة تنظيم إدارية جعلت في مقدوره أن يضطلع بمسؤوليته الجديدة وسمي ''بنك الجزائر''.
• إنشاء مجلس النقد والقرض الذي كان بمثابة السلطة النقدية المسؤولة عن صياغة سياسات الائتمان والنقد الأجنبي والدين الخارجي والسياسات النقدية.
• تطبيق قواعد تتسم بالشفافية وتحكم العلاقة بين الخزينة والنظام المالي.
• إرساء مبدأ توحيد المعاملة بين المؤسسات الخاصة والعامة بالنسبة لإمكانية الحصول على الائتمان وإعادة التمويل من البنك المركزي وأسعار الفائدة.
(1) بقبق ليلى اسمهان- مرجع سابق (مذكرة ماجستير) - ص 194. ولمزيد من الإطلاع ارجع إلى:
(2) مبارك بوعرشة- ''السياسة النقدية وآثار تخفيض العملة الوطنية''- مجلة العلوم الإنسانية- قسنطينة- عدد 02 سنة 1999 - ص 82.