من تحليلنا لكل ما سبق نستخلص أن رسم السياسة النقدية لتحقيق الأهداف الاقتصادية (النهائية) ليس أمرا سهلا، وإنما يحتاج منذ البداية إلى دراية واسعة بالأدوات وكفاءة عالية في استخدامها لتحقيق هذه الأهداف، مع التأكيد على أن تحقيق أي هدف من الأهداف لا يضرّ ضررا بالغا بغيره من الأهداف.
3.أدوات السياسة النقدية: تظهر القوة الأساسية للسلطة النقدية الممثلة بالبنك المركزي في قدرتها على زيادة أو إنقاص حجم النقود لدى الجهاز المصرفي، وكذلك في المجتمع، وذلك عن طريق الإعتماد على مختلف الأدوات والوسائل والأساليب الفنية للسياسة النقدية. وتتمثل هذه الأدوات في الرقابة الغير مباشرة، الرقابة المباشرة الكمية والرقابة المباشرة الكيفية والوسائل الأخرى التي يمكن أن تلجأ لها السلطات النقدية، والتي تشكل في مجموعها موضوع السياسة النقدية. [1]
أ. الرقابة الغير مباشرة: وتتمثل في الأدوات والوسائل التي تمكن السلطات النقدية من مراقبة تطور الوضعية النقدية والاقتصادية عامة وذلك بصفة غير مباشرة، وتهدف في مجملها إلى التأثير على كمية أو حجم الائتمان بصرف النظر عن وجوه الإستعمال التي يراد توجيهه إليها. ويتخذ هذا النوع من الرقابة سبيله إلى ذلك عن طريق التأثير على جملة الإحتياطات النقدية المتوافرة لدى النظام المصرفي مع ما يترتب على ذلك من التأثير بطريق غير مباشر على الحجم الكلي لقروض البنوك واستثماراتها. [2]
وتعتمد هذه الطريقة على الأدوات التقليدية للسياسة النقدية وهي تشمل سعر الخصم (سعر البنك) ، نسبة الاحتياطي النقدي القانوني (الإلزامي) وعمليات السوق المفتوحة.
ب. الرقابة المباشرة (الكمية والنوعية) : لقد برز هذا النوع من الرقابة على الائتمان خلال الحرب العالمية الثانية وما بعدها، حيث رمت إلى التدخل المباشر للسلطات النقدية في تحديد حجم الائتمان وتوجيهه حسب الاستعمالات المختلفة عن طريق تصعيب الحصول عليه. [3] وأدوات الرقابة المباشرة تتميز عن سابقتها كونها موجهة نحو استخدامات معينة للائتمان وليس نحو الحجم الكلي للائتمان. وفي الحقيقة، إن هذه الأساليب المعتمدة في الرقابة المباشرة على الائتمان إنّما وضعت بقصد التّأثير على قطاعات معينة من الاقتصاد الوطني دون التّأثير على بقية القطاعات. [4]
وتتضمن وسائل الرقابة المباشرة مجموعة من الإجراءات التي تتّخذها السلطات النقدية لغرض تشجيع أنواع معينة من الإنفاق أو الاستثمارات المنتجة وتوجيه تدفق الائتمان إليها وإحداث التوسع المرغوب فيها، أو وقف التوسع المغالي فيه وغير المرغوب في أنواع أخرى من الاستخدامات عن طريق التّأثير المباشر على الائتمان المصرفي نفسه. أي على سياسة الإقراض التي تنتهجها البنوك وغيرها من المؤسسات المالية الوسيطية. [5] وهكذا نجد أن الأدوات المباشرة للسياسة النقدية لها تأثيرها المباشر على المقرض والمقترض في آن واحد، فهي تمارس تأثيرا نوعيا وكميا على مستوى طلب القروض وكذلك على مستوى قدرة المؤسسات المالية على الإقراض.
ومن أهم الأساليب المباشرة التي تستخدمها السلطات النقدية لتوجيه الائتمان توجيها ينسجم وأهداف السياسة الاقتصادية العامة للدولة نذكر ما يلي: تأطير القروض، التأثير أو الإقناع الأدبي، النسبة الدنيا للسيولة، تنظيم الائتمان الاستهلاكي، التعليمات والتوجيهات، الإعلام.
(1) حمدي زهير شامية-"النقود والمصارف"- دار زهران للنشر- عمان- الطبعة الأولى 1993 - ص 328.
(2) عادل أحمد حشيش-"أساسيات الاقتصاد النقدي والمصرفي"- دار الجامعة الجديدة للنشر- مصر- طبعة 2004 - ص 254 - 255.
(3) صبحي تادريس قريصة -"النقود والبنوك"- دار النهضة العربية للطباعة والنشر- بيروت- طبعة 1984 - ص 168.
(4) د. عادل أحمد حشيش-"أساسيات الاقتصاد النقدي والمصرفي"- الدار الجامعية للنشر- بيروت- طبعة 1992 - ص 71.
(5) زكريا الدوري و يسري السامرائي- مرجع سابق- ص 216.