وبعد قرون من الانعزال اعترفت النخبة الجديدة بأهمية التّعلم من العالم الخارجي لذا تم إرسال مجموعات كبيرة من الشباب الياباني في بعثات دراسية إلى الغرب في الوقت نفسه الذي اتجهت فيه أنظارها بداية إلى أوربا وبدرجة أقل إلى الولايات المتحدة للاستفادة منها في إنشاء الجيش والشرطة والمدارس والنظام القانوني وغيرها من المؤسسات السياسية والاجتماعية واختارت من النماذج الأوربية ما اعتقدت أنه أفضل عصره آنذاك لكنها فضلت تلك التي كانت تنسجم مع الممارسات اليابانية السائدة، ولذا كان تفضيل النخبة الجديدة لنظام الشرطة الفرنسي الذي كان مركزيا على النموذج البريطاني الذي كان بالمقارنة لا مركزيا، كما استعارت نظام التعليم الفرنسي والبيروقراطية الألمانية (Bowen, 2006) . ولاحقا وفي فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى وعندما بحثت الشركات اليابانية الكبرى عن أساليب لرفع الكفاءة بدون صدام عمالي اتجهت تلك الشركات إلى الولايات المتحدة - التي كانت تشهد تصنيعا متناميا بدون وجود حركة عمالية قوية- واستعارت منها ممارسات مثل الإدارة الصناعية و رأسمالية الرفاه والمعرفة التقنية.
كذلك عندما توصل إصلاحيو ميجي إلى خلاصة أساسية مفادها أنه لا يمكن الاعتماد على قوى السوق الطبيعية وحدها للاتجاه نحو التصنيع واللحاق بالغرب قرروا استخدام الدولة لإحداث ثورة فوقية. ومن ثم أتسمت سياسة حكومة ميجي منذ ذلك الحين باستخدام النفوذ السياسي من أجل خلق تراكم رأسمالي وبناء جيش حديث. وركزت هذه السياسة إلى توظيف ثروة الدولة لتمويل مؤسسات كل من القطاعين العام والخاص في اليابان مع توجيه رأسمال الدولة نحو إنشاء وتطوير صناعات ذات علاقة وثيقة الجيش مثل بناء السفن، الصلب، المناجم، والسكك الحديدية، والتلغراف. وكانت الدولة تعمد إلى بيع تلك الصناعات عندما تبدأ في تحقيق الأرباح لرجال أعمال ممن كان لهم علاقات وثيقة بالقيادة السياسية وهي علاقات ازدادت رسوخا مع تنامي المصالح بين الدولة والقطاع الخاص. وقد هدفت تلك السياسة التي أطلق عليها تشالمرز جونسون (Johnson, 1987) "الدولة التنموية"تحقيق شعار"دولة غنية وجيش قوي"على أرض الواقع.
وبالفعل نجحت قطاعات يابانية منظمة جيدا من البيروقراطيين والعسكريين والصناعيين بشكل ملفت للنظر في تحويل شعار"بلد غني وجيش قوي"إلى واقع ملموس، حيث برزت اليابان كأول اقتصاد رأسمالي صناعي غير غربي وأول قوة إمبريالية غير غربية. وقد كان لبيروقراطية الدولة تحت الإدارة الكفؤة للساموراي السابقين دورا حاسما في حركة التصنيع هذه في ظل قيادة الإمبراطور ميجي، بالتعاون الوثيق مع عدد ضخم من الشركات الخاصة الخاضعة لسيطرة عائلية