تقدمت ومازالت تتقدم، على حين يطالبنا"البعض"بالتخلي عن الدين والتراث والهوية مقابل"شيك"بالتقدم رصيده مجرد"حلم"ليس أكثر (السامرائي، 2000: 16) .
وفي هذا السياق يؤكد عفيف ابي فراج على ضرورة المزج ما بين الموروث والمعاصرة باعتباره"الشرط لكل نهضة"، ويدحض بالتالي الصورة المقلوبة التي يقدمها البعض عند المقارنة بين فكر النهضة الإسلامي والتجربتين اليابانية والصينية، وخاصة ثنائية التضاد والتناقض بين الأصالة والمعاصرة التي روج لها غلاة الليبراليين في الفكر العربي الحديث بدءا بفرح انطون ومرورا بشبلي شميل وسلامة موسى واحمد لطفي السيد وصولا إلى زكي نجيب محمود القائل:"اما نحيا عصرنا واما نحيا التراث"، مشددا على دحض الذين يرفضون الربط بين الماضي والحاضر او الاستمرار والتغيير. حيث يرى أن مشروع النهضة العربية قد أجهض بسبب ما انتجه خطاب تلك النهضة من سجلات كلامية دارت حول ثنائيات نظرية لا حصر لها كالدين والعلمانية، والعلم والإيمان، والقبيلة والدولة، والعقل والنقل ... وما تبلور عنه من تيارات متضادة يعالج كل منها صورة الواقع وليس الواقع نفسه. في الوقت الذي يؤكد فيه أن النهضة الاوروبية ذاتها المعروفة بالرينيسانس (Renaissance) ، تتضمن معنى الاستعادة، حيث استعادت موروثها الماضي اليوناني والروماني ومن ثم فإنها لم تكن تعني قطيعة مع ما ضيها ولم تكن بالتالي خلقا من عدم. ولذلك يرى أن النهضة اليابانية قد قامت على الجمع ما بين العودة إلى المنابع والأصول على الصعيدين الأخلاقي والسياسي وبين التجديد في الأدوات المادية، وهو ما قد يفسر النجاح المبهر لمشروع النهضة اليابانية"من جهة والفشل المريع لتجربة النهضة العربية منذ محمد علي باشا وحتى الآن من جهة أخرى (أبو فراج، 2005) ."
وهذا أيضا ما يفسر النجاح الملفت للنظر الذي حققته تجربة نهضة آسيوية أخرى لكنها في دولة إسلامية هذه المرة هي ماليزيا التي يبدو أن النخبة القيادية فيها قد استوعبت دروس النهضة اليابانية جيدا وعملت على تكييفها والاستفادة منها في الحالة الماليزية. وفي هذا السياق يشير أنور إبراهيم وزير المالية الماليزي السابق وأحد أبرز مهندسي مشروع النهضة الناجح فيها إلى إن حجر الأساس في"نهضة آسيا"من المنظور الاجتماعي هو الإنسان الآسيوي المتدين، وأن النواة الفلسفية الصلبة لتلك النهضة هي المحافظة على القيم والكرامة الإنسانية، والإقرار بالتعددية، والانفتاح على العالم، والتعلم من تجارب الأمم الأخرى والحلم المستمر بحياة أفضل للبشرية كلها. ويقارن أنور إبراهيم بين الأسس المعرفية التي قامت عليها النهضة الأوربية الحديثة وبين أسس النهضة الآسيوية، ويخلص إلى أن الفارق الجوهري بين النهضتين هو أن نهضة آسيا تقوم على