إن التورق الفقهي العادي جائز عند الجمهور الأعظم من الفقهاء، وقد وافق المجمع الفقهي الإسلامي على هذا الحكم كما سبق بيانه، أما التورق المصرفي المنظم فهو يختلف في حقيقته ومضمونه عن التورق الفقهي، فهو نشاط مؤسسي يقوم على إجراءات مقننة وصيغًا مقررة، ومنظومة تعاقدية مترابطة كما سبق بيان ذلك في المبحث الثاني، لذا كانت حقيقتهما مختلفة اختلافًا كبيرًا، فهل لهذا الاختلاف تأثير في الحكم؟.
اختلف الفقهاء المعاصرون والاقتصاديون الإسلاميون في حكم التورق المصرفي، وقد وجدت آراءهم تنحصر في اتجاهين رئيسين وهما على النحو الآتي:
الأول: اتجاه يبيح التورق المصرفي المنظم وفق الضوابط الشرعية.
الثاني: اتجاه يحرم التورق المصرفي.
الاتجاه الأول: القائلون بالإباحة
ذهب بعض المعاصرين إلى إباحة التورق الفقهي، وقد استدلوا لذلك بأدلة تقوم في مجملها على ثلاثة أدلة أوردها على النحو الآتي:
الدليل الأول: الأصل اعتبار الظاهر من العقود التي اتخذت صورة العقد الصحيح، وفي المقابل عدم اعتبار نية العاقد والباعث على العقد. والتورق عبارة عن مجموعة عقود صحيحة شرعية متتابعة إذ هو عقد بيع نسيئة صحيح، ثم بيعه مرة أخرى لغير بائعه الأول يتخللهما عقود وكالة، وهما عقدان صحيحان شرعيان فلا يضر تتابعهما، وهذا الأصل مقرر بنصوص صحيحة ثابتة، منها ما ورد في الصحيحين عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما:"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيْبَرَ، فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّه، ِ إِنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلَاثَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: لَا تَفْعَلْ بِعِ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا" [1] ، فأرشد النبي - صلى الله عليه وسلم - عامله إلى حيلة يتفادى بها الوقوع في الربا الصريح، فالعبرة كانت بصورة العقد الصحيحة ولا أثر لنية العاقد والباعث عليه.
وهذا الأصل مقرر عند الإمام الشافعي ومعتبر عنده في كل أبواب الفقه حتى غدت هذه القاعدة سمة بارزة في مذهب الشافعية كله، وهذا الأمر أكده الإمام الشافعي نفسه بقوله:"لا يفسد عقد أبدًا إلا بالعقد نفسه لا يفسد بشيء تقدمه ولا تأخره ولا بتوهم ولا بأغلب, وكذلك كل شيء لا"
(1) - انظر: البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، كتاب البيوع، باب إذا أراد بيع تمر بتمر خير منه، حديث رقم 2089. مسلم، صحيح مسلم، كتاب المساقاة، باب بيع الطعام مثلًا بمثل، حديث رقم 1593، وهذا لفظ البخاري.