تفسده إلا بعقده، ولا نفسد البيوع بأن يقول هذه ذريعة وهذه نية سوء، ولو جاز أن نبطل من البيوع بأن يقال متى خالف أن تكون ذريعة إلى الذي لا يحل كان أن يكون اليقين من البيوع بعقد ما لا يحل أولى أن يرد به من الظن" [1] ."
الدليل الثاني: يتوافق التورق المصرفي -من حيث الشكل- مع صورة التورق الفقهي العادي الذي أجازه الجمهور الأعظم من الفقهاء والمذاهب الفقهية الأربعة، وهذا التوافق متحقق في أمرين:
الأول: أن غاية التورق الفقهي تحقيق السيولة النقدية للمتورق فكانت السلعة فيه غير مبتغاة، بل هي وسيلة وحيلة يتفادى بها المتورق الوقوع في الربا، وهذا الأمر نفسه موجود في التورق المصرفي.
الثاني: وجود ثلاثة أطراف في كلٍ من التورق الفقهي والتورق المصرفي، فالمشتري النهائي غير البائع الأول، وهذا الأمر فارق بين العينة والتورق الفقهي، حيث كانت العينة محرمة لكون البائع نسيئة اشترى السلعة نقدًا مرة أخرى، بخلاف التورق الفقهي حيث كان المشترى النهائي غير بائع السلعة نسيئة، وهذا الأمر متحقق في التورق المصرفي، حيث يشتري السلعة غير المصرف الذي باع السلعة نسيئة للمتورق.
الدليل الثالث: حاجة الناس المعاصرة إلى السيولة النقدية، وهي حاجة ملحة تقتضي توفير متطلبات السوق والعمل والإنتاج من رأس المال والسيولة النقدية، إضافة إلى متطلبات استهلاكية ضرورية ما عاد كثير من الناس في غنى عنها نظرًا لمتطلبات الحياة المعاصرة المعقدة، وهذه الحاجة ألجأت كثيرًا من المسلمين إلى الاقتراض الربوي، فجاء التورق المصرفي بديلًا شرعيًا محققًا منافسة قوية للقروض الربوية [2] .
وقد استند فريق من المعاصرين على هذه الأدلة للذهاب إلى إباحة التورق المصرفي، إلا أنهم اشترطوا في ذلك شروطًا، وهي على النحو الآتي:
الشرط الأول: أن يكون المصرف مالكًا للسلعة قبل بيعها للعميل نسيئة [3] .
الشرط الثاني: أن لا يبيع العميل (المشتري) السلعة إلا بعد قبضها، ورغم اشتراطهم هذا الشرط إلا أنهم نبهوا على أمرين:
أولًا: يقوم القبض الحكمي مقام القبض الحقيقي وخصوصًا في السلع الدولية، حيث لا يكون القبض فيها قبضًا حقيقيًا بل يكون ذلك عن طريق شهادات التخزين، وفي حقيقة الأمر لا يكون ذلك إلا قيودًا في الحواسيب كما أشرت إلى ذلك، ومع ذلك فإنهم يعدون ذلك قبضًا حكميًا صحيحًا؛ لأن
(1) - الشافعي، الأم، 7/ 312.
(2) - انظر: المنيع، حكم التورق كما تجريه المصارف الإسلامية في الوقت الحاضر، ص 352، 357.
(3) - انظر: المشيقح، د. خالد بن علي، التورق المصرفي عن طريق بيع المعادن، ص 146 وما بعدها.