الصفحة 20 من 30

كانت السلعة عنده صورية غير مبتغاة، فتبين لنا من خلال ذلك أن التورق المصرفي يلتحق بالعينة ولا يلتحق بالتورق المصرفي ولو كان له شكل التورق الفقهي.

الدليل الثاني: اعتبار النية والقصد في العقود والتصرفات، وهذا مذهبٌ صريحٌ للمالكية والحنابلة، فالعبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني، فنية المتاجرة بالسلع غير موجودة في التورق المصرفي عند كلٍ من العميل والمصرف، بل القصد فيها الإقراض والاقتراض بزيادة ربوية، وهذا القصد المناقض لأحكام الشريعة كافٍ في إثبات حرمة التورق المصرفي.

ورغم أن الشافعية -في صريح مذهبهم- لا يعتدون بالمقاصد في العقود والتصرفات، وإنما على الظاهر منها وكذا الحنفية إلى حد كبير -كما هو معلوم ومشتهر عن هذين المذهبين- إلا أن ذلك لا ينطبق على التورق المصرفي؛ لأن قصد الربا منه ظاهر في العقود وموجود فيها، فلم يعد قصدًا باطنًا غير مؤثر في التحريم وفق مذهب الشافعية والحنفية، فالقصد الباطن في المذهبين غير مؤثر إذا لم يدل عليه تصريح في العقد أو قرينة واضحة كما هو الحال في بيع العينة، فقد ذكرت سابقًا أن الشافعية يبيحون العينة ما لم يظهر قصد الربا فإن ظهر كجريان العرف بها فإنها محرمة ويبطل العقد حينئذ.

وهذا الأمر متحقق في التورق المصرفي فإن قصد الربا واضح، ولا أدل عليه من جريان العرف به إلى حد القطع بقصد الربا، إضافة إلى التصريح اللفظي به في الإعلانات التسويقية لبرامج التورق، وإلى القرائن الكثيرة المحتفة بتلك العقود المتتابعة التي تنبئ عن قصد الإقراض والاقتراض بزيادة ربوية، ولذا لا تصح دعوى إباحة التورق المصرفي على مقتضى مذهب الشافعية الذين يبيحون العينة صراحة.

الدليل الثالث: إن النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعًا، وهذا أصل معمول به في كل المذاهب الفقهية في الجملة، وإن اختلفوا في تقديره في بعض الوقائع، فحكموا على كثير من التصرفات بناء على ما تؤول إليه من نتائج لا تتوافق مع حكمة التشريع، وتكاد تتفق كلمة الاقتصاديين الإسلاميين على وجود آثار سيئة للتورق المصرفي، ويمكن إجمالها على النحو الآتي:

1.التقارب الكبير بين كلٍ من التمويل بأسلوب التورق في المصارف الإسلامية وأسلوب التمويل الربوي في المصارف التقليدية، بحيث يصعب على المنصف إدراك الفارق بين الأسلوبين، فكلاهما قائم على إقراض النقد، ولا يختلفان إلا من حيث الإجراءات، وهذا بدوره يؤدي إلى التشكيك في تميز التمويل الإسلامي عن التمويل الربوي.

2.يشكل التمويل بأسلوب التورق المصرفي نسبة عالية من إجمالي حجم التمويل المصرفي الإسلامي، إذ ورد في بعض التقارير الصحفية عبر الانترنت أن حجمه بلغ 67% من إجمالي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت