وبعد هذا البيان لحقيقة كل من العينة والتورق وحكمهما في المذاهب الفقهية لا بد من بيان سبب تفرقة الجمهور الذين فرقوا بين العينة والتورق فحرموا الأولى وأباحوا الثانية، رغم التشابه الكبير بينهما، واستعرض هنا أوجه الاتفاق والافتراق ليتضح لنا سبب تفرقة الجمهور بينهما في الحكم، فالصورتان (التورق والعينة) تتفقان في أربعة أمور وتختلفان في أمر واحد.
أما أوجه اتفاقهما:
الأول: أن الصورتين مشتملتان على بيع آجل ثم بيع عاجل.
الثاني: أن الثمن في البيع الآجل أكثر منه في البيع العاجل.
الثالث: أن قصد المشتري (المتورق) في الصورتين الحصول على النقد، لا الانتفاع بالسلعة.
الرابع: أنهما حيلة لتفادي الوقوع في الربا.
أما ما اختلفت فيه الصورتان فهو أن التورق يكون بين ثلاثة أطراف، والعينة تكون بين طرفين، فالبائع الأول في التورق لا علاقة له بالبيع الحاصل ثانية، بخلاف العينة فإن بائع السلعة نسيئة يعود ليشتريها نقدًا، فإذا لاحظنا هذا الفارق الوحيد نجد أن علة التحريم تكمن فيه، أما غير ذلك من الأوصاف فلم تكن تشتمل على علة التحريم، فقصد المتورق الحصول على النقد بحيلة يتفادى بها الوقوع في الربا وذلك بشرائه سلعة نسيئة ثم بيعها نقدًا لم يكن المؤثر في التحريم، بخلاف البائع الذي باع نسيئة ثم اشترى السلعة نقدا بأقل من الثمن الآجل، فإن ذلك مؤثر في تحريم الصورة.
وبناء على ذلك فإن علة تحريم العينة تكمن في قصد البائع لا في قصد المتورق، فالبائع تمحض مقرضًا أردا التحايل على الربا، فاتخذ صورة البيع بالنسيئة ثم البيع بالنقد بثمن أقل والسلعة في البيعتين متحدة فكانت صورية غير مبتغاة، أما المتورق فقد تمحض في الحقيقة مقترضًا حيث أراد الحصول على النقد في مقابل دفع زيادة نظير الزمن، والسلعة عنده في البيعتين أيضًا متحدة فكانت صورية غير مبتغاة، لكن قصده لم يؤثر في التحريم فغاية ما في التورق أنه يظهر خللا اجتماعيا في المجتمع الإسلامي حيث اضطر المتورق إلى هذه المعاملة للحصول على النقد بسبب ظروفه القاهرة ولم يجد عونا من إخوانه بالإقراض الحسن أو من أموال الزكاة والصدقات وغيرها، ولذا كانت كراهة التورق في بعض المذاهب الفقهية، وهذا بخلاف المقرض الذي أراد أكل الربا وأخذه بصورة مشروعة الشكل فكانت هذه المعاملة وهي العينة محرمة شرعًا عند الجمهور، ومحرمة عند الشافعية إذا كان البيع الثاني مشروطًا في البيع الأول أو جرى العرف بذلك، أما إن لم يكن شرط أو عرف فلا تحرم باعتبار الظاهر.