الصفحة 27 من 36

فمن القراء من قرأ تلك الكلمات في المواضع السابقة بالإفراد ووقف عليها بالهاء اتباعًا للغة قريش وجماعة من فصحاء العرب، وقرأ الباقون تلك الكلمات بالجمع، ووقفوا عليها بالتاء موافقة للرسم واتباعًا للغة طئ [1] .

ومما يجدر ذكره أيضًا أن كل ما ذكر في كتاب الله من الأسماء بالجمع مطلقًا فهو مرسوم بالتاء المجرورة نحو آيات وبينات، متبرجات، والمؤتفكات والمنشآت وما أشبه ذلك ورسموا أيضًا ملكوت وجالوت وطالوت والتابوت والطاغوت بالتاء المجرورة ورسموا العنت منكم بالنساء بالتاء المجرورة وكذا تاء التأنيث اللاحقة للفعل نحو وعنت الوجوه وقالت اخرج وأزلفت الجنة وبرزت الجحيم وزلزلت الأرض ونفعت للذكرى وما أشبه ذلك من الأفعال [2] .

لقد ورد حذف العائد مع ما الموصولة في كثير من الآيات القرآنية مراعاة للنظم وتمشيًا مع موسيقى الفواصل في الآيات التي تنتظم السورة الواحدة، فقد أشار السهيلي إلى أنه يحسن مع ما حذف العائد بخلاف الذي محتكما في ذلك إلى القرآن من فواصل الآيات نحو قوله تعالى"وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ" (البقرة 33) ،"وَاللّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ" (النحل 19) ، وقوله"لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ" (الكافرون 2) على حين قيل مع الذي"وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ" (الأنعام 114) ،"الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاء الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ" (الحج 25) ، ويعلل حسن الحذف مع ما لإبهامها، فالذي فيها من الإبهام قربها من ما التي هي شرط لفظًا ومعنىً ألا ترى أن (ما) إذا كانت شرطًا تقول فيها ما تصنع اصنع مثله، ولا تقول: ما تصنعه لأن الفعل قد عمل فيها فلما ضارعتها هذه التي هي موصولة، وهي بمعنى الذي أجريت في حذف الهاء مجراها في أكثر الكلام [3] .

ويمكننا أن نضيف إلى ما ذكره السهيلي من حسن حذف العائد مع (ما) لإبهامها أنه حسن حذفه أيضًا في هذه الآيات لما تطلبه موسيقى الفواصل في السورة ذاتها ومع هذا لم نر أحدًا نبه على هذه التفرقة ولا أشار إليها وقارئ القرآن محتاج إلى هذه التفرقة، وقد يحسن حذف الضمير العائد على (الذي) لأنه أوجز ولكنه ليس كحسنه مع (من) و (ما) .

(1) المصدر نفسه والصفحة.

(2) نهاية القول المفيد ص 214.

(3) الروض الأنف للسهيلي، ط الجمالية بمصر، 1114 هـ،1/ 169.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت